الرئيسية > رأي عام > مقالات > ومَن يَبتَغِ غير الإسلام…
عامر الحافي (الأردن)

ومَن يَبتَغِ غير الإسلام…

الثلاثاء ٢٠١٨/٧/١٠م   |   ١٤٣٩/١٠/٢٧ هـ

مِن أكثر النصوص التأسيسيّة التي الْتَبَس معناها على الكثيرين، وتحتاج إلى إعادة فهم لمعانيها ودلالاتها، هذه الآيةُ القرآنية: {ومن يَبتغِ غيرَ الإِسلَامِ دينًا فلَن يُقبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرةِ منَ الخَاسرِينَ} [آل عمران: 85].

لعلَّ أوّل أسباب الإشكال في فهم الآية، والتي يمكن تسميتها بـ”آية الابتغاء”، يعُود إلى الاعتقاد الشائع أن المخاطَب في الآية هم غيرُ المسلمين. وهذا يخالف سياق الآية، الذي يخاطِب الذين كفَرُوا بعد إيمانهم من أتباع محمد عليه الصلاة والسلام، وهو يتَّضح في الآية التالية التي أعقبَت آية الابتغاء: {كيفَ يَهدِي اللَّهُ قَومًا كفرُوا بعدَ إِيمانهِمْ وشهِدُوا أنَّ الرَّسُول حقٌّ} [آل عمران: 86].

يعُود السبب الثاني لِالْتِباس فهم الآية، إلى عدم التمييز بين الإسلام بمعناه القريب “الأدنى” والذي هو اسمٌ لمِلّة مخصوصة، والإسلام كمضمون رُوحيّ بمعناه البعيد “الأقصى”، والذي هو سِمة لكثير من المؤمنين من أتباع الشرائع ومِن غيرها. فإدراك دلالات الاختلاف بين هذَيْن المَعنيَيْن، يترتَّب عليه إعادة تكوين للخطاب الديني الإسلامي، والتي من شأنها أن تُعيد إليه مضامينه الإنسانية العالميّة.

الأصل في الناس جميعًا أن يكونوا على الإسلام بمعناه الفِطري التكويني، والذي يعني الخضوع والاستسلام للخالق، الذي طَبع خاتمُه صميم الخلق. وهذا المعنى نجده في الآية الشقيقة لآية الابتغاء، والتي جاءت قبلها بثلاث آيات، وهي قوله تعالى: {أفغيرَ دينِ اللَّهِ يبغُونَ ولهُ أسلمَ من في السَّمَاواتِ والأرضِ طَوعًا وكرهًا وَإِليهِ يُرجعُونَ} [آل عمران: 83]. وهذا يعني أن الإسلام بالمعنى الفِطري التكويني هو وصفٌ لعموم الخَلق والكائنات، قبل أن يكون تسميةً لمِلَّة أو شريعة بِعَينها.

ليس مستغرَبًا أن نجد المعنى العامّ لكلمة الإسلام، متضمَّنًا في الشرائع الأخرى السابقة للرسالة المحمَّديّة: {وإِذَا يُتلَىٰ علَيهِم قالُوا آمنَّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ من ربِّنا إِنَّا كنَّا من قبلهِ مُسلمينَ} [القَصص: 53]. وأيضًا يحدِّثنا القرآن بالإسلام الحَنِيفيّ لإبراهيم الخليل، الذي سبَق نزولَ الوحي عليه، عندما وجَّه وجهَهُ مستسلِمًا وخاضعًا أمام الحقيقة الكلِّيّة، بَعْد أن بذل جهده في الوصول إليها: {إِنّي وجَّهتُ وجهي للَّذي فطرَ السَّماواتِ وَالأَرضَ حنيفًا وما أنا منَ المُشركينَ} [الأنعام: 79]. وهذا يعني أن الإنسان قادر على بلوغ لحظة الاستسلام لله، في أي زمان كان وفي أيّ أمَّة كانت.

فَرقٌ كبير بين من يفهم الإسلام، الذي سُمِّيَت به المِلَّةُ المحمَّديّة باعتباره الأنموذج “الأمثل”، ومَن يفهم الإسلام باعتباره الأنموذج “الأوحد”. فالاعتبار الأوّل يفتح المجال للتسابق إلى الخيرات، واكتشاف أسرارِ الرحمة الإلهية وشمولِها، خِلافًا للأنموذج الثاني الذي يُوصِد الأبواب، ويَحسم السِّباق قبل أوانه. فالإسلام هو ذلك الطريق الأمثل والأرحب الذي يفتح الله به القلوب، ويَصِل به دروبَ العرفان والإحسان المُفضِيَة إلى جوار حَرَم الحقيقة الأشرف.

إنْ فهِمْنا أنَّ “الابتغاء” هو طلب الشيء عن إرادة ورغبة ومعرفة وقصد، فإن معنى الآية يشير هنا إلى أن كلَّ من يبتغي غير الحقيقة التي عرَف صِدقها، ثم حاد عنها بِقصد، فإنه يكون من الخاسرين. وبالمقابل، فإن كلَّ من يبتغي الحقَّ والصواب على قدر وُسْعه، فهو لا مَحالة من المَقبولين.

إنَّ الحُكم بهلاك من لا يتسمَّى بِاسم ديانة بِعَينها، يمثِّل خللًا منهجيًّا قديمًا شاع بين كثير من أتباع الأديان. وهو إلى جانب ما ينطوي عليه من إساءة للعدالة الإلهيّة، يتَّصل بشهوة خفيَّة، تجعل الحقيقةَ الدينية صورةً حجَريّة طالَ عليها الزمان، لا نهْرًا جاريًا يزداد روعة وجمالًا في كلِّ حين.

إن التدبُّر في خطورة حصر الحقيقة والنجاة في أتباع تسميةٍ أو جماعة بِعَينها، لا ينسجم وجماليَّةَ المقاربة بين الحقيقة والرحمة، اللَّتَين تَنبعان من عين واحدة جعلَت مساحةَ “الحقِّ” كمساحة “الرحمة”، تنقسم إلى مئة جزء، ولا يَحظى الخَلقُ منها بِسِوَى جزءٍ واحد؛ ذلك بأن تحصيل الرحمة والحقيقة على الوجه الأكمل، لا يَكون إلَّا لله الذي هو وحدَه “الرَّحمن”، وهو وحدَه “الحقُّ” كذلك.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.