الرئيسية > رأي عام > مقالات > وهل التَّقوى إلَّا الاستبشار والبِرّ؟!
نايلا طبارة (لبنان)

وهل التَّقوى إلَّا الاستبشار والبِرّ؟!

الجمعة ٢٠١٨/٤/١٣م   |   ١٤٣٩/٧/٢٨ هـ

اِستَوقفَتني منذ بضعة شهور ترجمة جديدة لكلمة “تَقْوى”. فعَدَد من المفكرين المسلمين الذين يكتبون باللغة الإنكليزية، قد توقَّف عن ترجمة كلمة تَقْوى بـِPiété  Piety -، وبدأ باستخدام عبارة Moral Consciousness أو God Consciousness  بدلًا منهما، أي فسّر التقوى بالوعي الأخلاقي، أو الوعي بالله.

مِثلُ هذا التبديل في ترجمة المصطلح وفهمه، لا يغيّر فقط في فهمنا للنصوص، بل يؤثّر في ماهيّة تديُّننا. فالتقوى بحسب النص القرآني، وبحسب الحديث النبوي الشريف، هي معيار الصلاح والفلاح، ومعيار التكريم من عند الله. يقول الله تعالى: {يا أيُّها النَّاسُ إنَّا خَلقنَاكُم من ذكرٍ وأُنثى وجعلنَاكُم شعُوبًا وقبائلَ لِتعارفُوا إنَّ أَكرمكُم عندَ اللَّهِ أَتقَاكُم إنَّ اللَّه عليمٌ خبيرٌ} [الحُجُرات: 13].  وفي الحديث الشريف: “ألا لا فَضلَ لعربيٍّ على عَجميٍّ، ولا لعجمي على عربي، ولا لأَحمرَ على أسودَ، ولا لأسودَ على أحمرَ إلَّا بالتقوى، إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم” (رواه البيهقي)، و”الناس سَواسيَة كأسنان المشط، لا فَضل لعَربيِّهم على عجميِّهم، ولا لأبيضِهم على أسوَدِهم إلاّ بالتقوى” (مستدرك الوسائل: ج2 ص340).

التقوى هي إذن معيار شهادتنا الإيمانية، إلَّا أن المعنى اللغوى للتقوى، إنْ في المعاجم القديمة أو الجديدة، هو الخوف والتجنب والوقاية من الشيء. وهذا المعنى يفسّر الكلمة عندما ترِدُ في سياقٍ مثل الحديث الشريف: “اتَّقُوا النار ولو بشقّ تَمرة، فمن لم يجِد فبِكلمة طيّبة” (رواه البخاري ومسلم)،  أو في سياق الآيات التي تدعو إلى اتِّقاء النار (مثلًا سورة البقرة، الآية 24)، ولكنه لا يفسّر التقوى كمعيار لإنسانيّة الإنسان، أو لشهادته الإيمانيّة؛ إذ لا يمكن أن يقاس إيمان الإنسان بمدى خوفه ووقايته لنفسه، بل يقاس إيمان الإنسان بمدى خدمته وعطائه، حيث جاء في الحديث النبوي الشريف: الخَلق كلُّهم عِيال الله، فأحبُّ الخَلقِ إلى الله من أحسَنَ إلى عياله” (رواه الطبراني)، و”الخَلق كلُّهم عِيال الله، وأحبُّهم إليه أنفعهُم لعِياله” (الوسائل).

وعليه، فإن تفسير التقوى بمعنى الوعي، يحوّل المؤمن من شخص مرتاب إلى شخص راشد، مُمتلئٍ بوعي أخلاقي، يجعل منه إنسانًا بارًّا مُحسنًا مُقْسِطًا عادلًا وعَفُوًّا، وهي الأوصاف المقرونة قرآنيًّا بالتقوى (راجع سورة المائدة: الآيات 2و8 و93، وسورة البقرة: الآيتين 224و237، وسورة المجادلة: الآية 9). فتكون تَقْوَى المَرْء ميزانًا داخليًّا، يعي من خلاله خير الأعمال، ويدفعه إلى التزام التقوى في سبيل خير جميع الناس، وصلاح الأرض.

فإن فسَّرنا التقوى الواردة بصيغة “اتَّقُوا الله”، بمعنى “كُونوا واعِين بالله”، وذلك مثلًا في قراءتنا لقوله تعالى: {فاتَّقوا اللَّه يا أُولِي الألبابِ الَّذينَ آمنُوا قَد أنزَلَ اللَّهُ إِليكُم ذِكرًا، رسولًا يتلُو عليكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ ليخرجَ الَّذينَ آمنُوا وعمِلُوا الصَّالحاتِ من الظُّلمات إلَى النُّورِ}  [الطلاق: 10-11]، فإن ذلك يبدّل تفسيرنا للتقوى، من الخوف من الله، إلى الوعي بأن الله معَنا: {إِنَّ اللَّه مع الَّذين اتَّقوا والَّذين هم مُحسنونَ} [النحل: 128]، وإلى الثقة بأنه يواكبنا في كلّ لحظة من حياتنا، ويسدّد خُطانا، ويمدّنا بالغذاء الروحي من خلال آياته: في كتابه، وفي الآفاق، وفي أنفسنا (راجع سورة فُصِّلَت، الآية 53). وهذا الوعي بأن الله معنا ومِن حَولنا، حسب ما يرِدُ في قوله تعالى: {وللَّه المشْرِقُ والمغْرِبُ فأَينمَا توَلُّوا فثمَّ وَجهُ اللَّهِ إنَّ اللَّه واسعٌ عليمٌ} [البقرة: 115]، وبأنه أيضًا يرزقنا المَدَد بأشكال عدّة، يعطينا بدوره الثقة، والقدرةَ على البِرّ والإحسان بين الناس، والإصلاح في الأرض، والدافعَ إلى أن نبذل أنفسنا في صنع الخير مِن حَولنا. فالتقوى هي استبشار بأننا سنلاقي الله: {واتَّقُوا اللَّه واعلمُوا أنَّكُم ملاقُوهُ وبشّر المؤمنينَ} [البقرة: 223]، بل بأننا نلاقيه فِعلًا كلّما كنَّا واعِين بحضوره في حياتنا، وبأنه هو يلاقينا بنعمة حضوره معنا.

بهذا المعنى، تكون هناك علاقة تَرابُط بين التقوى التي هي معيار إيماننا والتي نقدِّمها لله، والنعمة التي يُنعمها الله علينا. فكُلّما زاد الإنسان تُقًى، أي وعيًا أخلاقيًّا، ووعيًا بوجود الله معه ومِن حَوله، وسَّع قلبه لاستقبال النعمة. وكُلّما دفعَته تَقْواه إلى العمل مِن أجل الخير، كان مُحدِّثًا بالنعمة: {وأمَّا بنعمةِ رَبِّكَ فحدِّث} [الضحى: 11]. فالنعمة هنا ليست الرَّفَاهة والغِنى المادي، بل هي الغِنى الروحي، وهي الشعور بالامتلاء الداخلي بالطمأنينة والمحبّة، الذي يزيد كلما أنفقنا منه. بذلك، تكون التقوى وعيًا بمسؤوليتنا الأخلاقية، وبحضور الله معنا، في التزامنا البِرَّ والإحسان والنفع.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.