الرجوع

الحجُّ بين القَداسة والسِّياسة

الثلاثاء

م ٢٠١٨/٠٨/٠٧ |

هـ ١٤٣٩/١١/٢٦

زيارة الأماكن المقدَّسة هي ظاهرة دينية قديمة، تقوم على اعتقاد خُصوصة المكان، وصِلَتِه بكائنات روحيّة عُلويّة، أو بشخصيات بَشريّة ذات تجربة روحيّة، أو بأحداث قديمة لها صِلة بوجود الإنسان ومصيره. وتُراوِح الغايةُ التي يَطمح إليها الإنسان من زيارته لهذه الأماكن المقدسة، بين مَقاصد: مغفرة الذنوب ورجاء شفاء الأمراض وحلِّ المشكلات وتفريج الهموم، ومَقاصد: البحث عن السعادة والطُّمَأنينة الروحية والحصول على ميلادٍ روحيٍّ جديد.

تزداد أهمية زيارة المكان المقدَّس مع مقدار القداسة التي تتجلَّى فيه. وهنا نجد تَراتُبًا تصاعُديًّا في الأماكن المقدَّسة، يبدأ بأماكن مقدَّسة بسيطة، وينتهي بالمكان "الأقْدَس" أو "قُدس الأقداس"، الذي يُمثِّل التجلِّي الأعظم للمقدَّس.

عرَف العربُ الحجَّ قبل البَعْثة المحمَّديّة، وكان في الجزيرة العربية كثيرٌ من الأماكن المقدَّسة التي تُقصد للزيارة والطَّوَاف، إلَّا أنّ كَعْبة قُرَيش كانت أشهَرَها، باعتبارها كما يقول ابن هشام: "بَيْت إبراهيم الخليل ومسجده".

يُعدُّ الحجُّ في الديانة اليهودية من الشعائر الأساسية، ويتمثَّل بحضور اليهود إلى الهيكل في مدينة القدس في ثلاث مناسبات في السنة، وهي: عيد الفِصح، وعيد المظال، وعيد الأسابيع. وفي المسيحية، تطوَّرَت فكرة زيارة الأماكن المقدسة، مع الرَّغبة القوية فى رؤية المواقع التى عاش فيها المسيح، وهو ما عبَّر عنه القدِّيس جيروم بقوله: "إن مِن الدِّين التعبُّد فى الموضع الذى وطأتْهُ قَدَما المسيح". وتمثِّل كنيسة القيامة في القُدس، والتى تضمُّ قبر المسيح، أعظم مكان للحج المسيحي. وفي الديانة الهندوسية، يَحجُّ أتباعُها إلى نهر الغانج، كما يحج البوذيُّون إلى غابة بوذاكيا (أورويلا)، المكان الأكثر أهمية للحجَّاج البوذيِّين، والذي نال فيه بوذا استنارته. كذلك يحجُّ أتباع ديانة الشنتو اليابانية إلى هيكل ولاية آيس مرّة واحدة فى الحياة. أمَّا في الديانة السِّيخيّة، فيَحجُّ أتباعها إلى "المعبد الذهبى"، الذي يقع فى مدينة "إمريتسار" الهندية.

يعكس الحج في الإسلام كثيرًا من المضامين الإنسانية التوحيدية. فقد جاء خطاب الحج في القرآن موجَّهًا إلى الناس كافة {وأَذِّن في النَّاسِ بِالحَجِّ يَأتُوكَ رِجَالًا وعلَىٰ كُلِّ ضَامرٍ يَأتِينَ مِن كُلِّ فجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27]. وهذا يميِّز الحج عن العبادات الأخرى، كالصلاة والصيام والزكاة، التي وُجِّهَت إلى المسلمين تحديدًا. وهنا، نشير إلى أن منْعَ دخول المكان المقدَّس لغير أتباع الديانة، باعتبارهم أنجاسًا، يُعيد إنتاج فكرة نجاسة الأغيار "الغوييم" في التراث الفقهي اليهودي، والذي يمنع دخولَهم الهيكلَ باعتبارهم "غير يهود". وهي مشكلة. فإلى جانب مضامينها العنصرية، فإنها تتعارض والقيم الإنسانية والأخلاقية التي تُنادي بها الأديان.

وفي تراثنا الفقهي والتفسيري، يسُود الفهم القائل بتحريم دخول "غير المسلمين" المسجدَ الحرام، باعتبار الآية (28) الواردة في سورة التوبة. والواقع أن الآية تتحدث بالمشركين المعتَدِين والمحاربين؛ ما يؤكِّد أن المقصود بالنجاسة هو نجاسة الخيانة والظلم، اللَّذَيْن اقترفَهُما بعض المشركين عندما نقضوا صُلْح الحُدَيْبِيَة، وسفكوا دماء الأبرياء. فهي نجاسة اعتباريّة تتصل بالفعل والسلوك، ولا تمثِّل حالة أصليّة لكلِّ إنسان وُلد على غير الإسلام.

كيف يُحرَم الناسُ دخولَ بيت، هو أوّل بيت "وُضع للناس"؟ لقد كان من العار وَفْق القيم الدينية القديمة عند العرب، أن تَمنع قريش المسلمين الذين كانوا على عَدَاء معهم، من الحج إلى بيت الله. فهذا بيت الله للناس كافة. وهنا تَبرز مشكلة تَقلُّص الخطاب الديني وانسحابه إلى الداخل، بعيدًا عن آفاق العالميّة التي يطمح إليها.

إلى جانب الدلالات الدينية الكثيرة للحج، فإن الحج هو بمنزلة مؤتمر شعبيٍّ عامٍّ، يلتقي فيه الناس على اختلاف هُوِيّاتهم العِرقيّة والطائفية والسياسة. وربَّما يكُون المناسبةَ الوحيدة اليوم، التي يمكن أن تجمع كثيرًا من الشعوب الإسلامية، بعيدًا عن أنظمتها السياسية المتصارعة.

هناك اعتبارات وجيهة، في الدعوة إلى وجود إدارة مستقلَّة للأماكن المقدَّسة، تبتعد عن الصراعات بين الدول والأنظمة، ولا تستخدم المكان المقدَّس كأداة لتحقيق المكاسب السياسية لهذه الدولة أو تلك. وهذا يمكن أن يَحدث عندما نبحث عن المضامين الروحية للمقدَّس، لا عن مصالح أنظمة سياسية لا تعرف قداسة الإنسان والمكان.

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2024
تصميم وتطوير Born Interactive