الرجوع

لا حقوق إنسان بدون قِيَم إنسانيّة

الخميس

م ٢٠١٧/١٢/٠٧ |

هـ ١٤٣٩/٠٣/١٩

 

يَحصر بعض النشطاء في مجال الدفاع عن الحريّات وحقوق الإنسان مقاربتَهم، في البعد القانوني للمسألة، معتبرين أنّ النضال يقتصر على تأمين القوانين والمنظومات الحقوقية العادلة التي تكفل ممارسة هذه الحقوق لجميع المواطنين. يُضيف بعضهم اهتمامًا بتوعية المواطنين بحقوقهم، ودعمِهم للوصول إليها. ومع أهمية هذا المنحى القانوني والتَّوعَوي وضرورته، إلّا أنني أعتقد أنّ في هذه المقاربة عَطَبًا أساسيًّا يعيق تحقيق الأهداف التي تصبو إليها.

فإنْ عُدنا إلى نص إعلان حقوق الإنسان نفسه، نجد أنّه في الديباجة التي تُقدّم للإعلان وتضع إطاره المفاهيمي، تأكيدُ أنّ "الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم". لذلك، تُشكّل المادة الأولى من الإعلان صدًى لهذا المبدأ، عندما تربط بين تأكيد المساواة في الكرامة والحقوق من جهة، والأخوّة بين البشر من جهة أخرى. تقول المادة: "يولد جميع الناس أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضًا بروح الإخاء". فلا الكرامة ولا الأخوّة، يمكن للقانون أن يُلزم الأفراد بهما، في نظراتهم المتبادلة وعلاقات بعضهم ببعض.

قلّما وجدْتُ ناشطًا في مجال حقوق الإنسان، يُدرّب على الأخوَّة والاعتراف بالكرامة الإنسانيّة، فغالبيتهم يقفزون إلى النتيجة المرجوّة من التدريب على الحقوق والحريات، وآليات اكتسابها والمدافعة عنها؛ فيراودني التساؤل: لماذا هذا البَون المُحيِّر بين مبادئ النص وطريقة تبنّيه ونشره؟ ليس لديَّ جواب أكيد عن هذا السؤال، ولم أقم بالأبحاث المطلوبة مع المعنيّين للتحقّق من الأمر. ربما ينحو المدافعون عن الحقوق إلى البُعدَين القانوني والنضالي؛ بسبب الانتهاكات العديدة التي تتعرّض لها هذه الحقوق، فتصبح الأولويّة لديهم الوصول إلى الحدّ الأدنى وإبعاد الأذى عن الأشخاص المنتهكة حقوقهم، بدل التفكير في كيفيّة ترسيخ هذه الحقوق، وممارستها في ثقافة مجتمعيّة ومنظومة قيميّة تَضْمنان الوصول إلى الغايات الكبرى، عبر تعزيز كرامة جميع البشر، والأخوّة في ما بينهم.

برأيي أيضًا، يتسبّب هذا المنحى القانوني إنْ بالغ في أحاديّة هذه المقاربة للحقوق، بضرر على مفهوم شموليّة هذه الحقوق. فبدل أن تكون منظومة الحقوق والحريات الهدف المشترك للإنسانية جمعاء، وأن يكون كل إنسان مدافعًا عن هذه الحقوق أينما جرى انتهاكها، حتى تجاه من هو غريب عنه أو خصمه، قد تتحوّل المسألة إلى مدافعة كل شخص أو مجموعة خاصة عن حقوقهم، بشكل مطلبي منغلق، دون الاكتراث لحالة هذه الحقوق لدى الآخرين. فنجد على سبيل المثال مِن قِبل بعض المتحمّسين في الغرب حملات للدفاع عن حقوق "الأقليّات" المسيحيّة في الشرق الأوسط، دون أن يكترث هؤلاء لآخرين مسلمين أو إيزيديّين أو غير ذلك، وهم يُعانون نفس حالة الإجحاف في مجتمعاتهم المشتركة. وقد يهبّ بعض المسلمين إلى الدفاع عن حقوق المسلمين في الغرب باسم الرابط الديني المشترك، ولا يكترث هؤلاء لِما يُعانيه بعض المواطنين غير المسلمين في مجتمعاتهم. إنّ الدفاع عن كل مظلوم ونصرته هو واجب إنساني، ومَن يَقُم بذلك فله كل التقدير. ولكن، ألا يَفقد هذا الالتزام جوهره ومقصده الحقيقي عندما يجري على قاعدة طائفيّة أو فئويّة؟

إنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قام على ركيزتَي الكرامة الشاملة والأخوَّة البشرية العامة؛ ليتجنّب هذا النوع من الانحرافات من جهة، وليضع أسسًا متينة ومستدامة لهذه الحقوق من جهة أخرى؛ ما يعني أنّك لا تستطيع أن تكون عنصريًّا أو تكفيريًّا أو متبنّيًا أيَّ منظومة قائمة على التمييز بين الناس من جهة، وتدافع عن حقوق الإنسان من جهة أخرى. فبقدر ما يُعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان معيارًا للقوانين، يُشكّل أيضًا مرجعًا وتحدّيًا للمنظومات القيميّة، والخطابات السياسية والتربوية والثقافية وحتى الدينية، بل إنّ الإعلان دعوة إلى تحقيق كرامة كلّ إنسان عبر بناء الأخوَّة الشاملة بين البشر، على تنوّعهم واختلاف انتماءاتهم. لهذا السبب، أعتقد أنّ الحاجة تكمن في تأمين الوعي لدى الأفراد بحقوقهم الأساسية التي ليست مِنّةً من أحد عليهم، وفي الوقت نفسه تعزيز المنظومة القيمية والثقافة المجتمعية لديهم، اللَّتَين تجعلان من هذه الحقوق الجو العام الذي يؤسّس للعلاقات السليمة بين الناس، وللتضامن في ما بينهم. فكما أنّ الغاية ألَّا يكون احترام القانون خوفًا من العقوبة، بل تعبيرًا عن قناعة وثقافة تجعلان من القانون ناظمًا للخير العام، كذلك حقوق الإنسان، بدل أن تكون مطلبًا وحسب، آمُل أن تصبح ثقافة وحاجة، ليس فقط بالنسبة إلى الشخص المَعنيّ، بل حاجة مشتركة لدى جميع الناس ومِن أجْلِهم.

* هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

 

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2024
تصميم وتطوير Born Interactive