الرجوع

“عايز أختي” لأنقذ العالم

الثلاثاء

م ٢٠١٧/٠٣/٢٨ |

هـ ١٤٣٨/٠٧/٠١

في مرحلة الدراسة الجامعية في منتصف الثمانينيَّات، لم تكن المجتمعات العربية حينئذ قد اكتمل تَدْيِينها، والْتَأم انسدادها، فأَحبَّ زميل مسلم زميلة مسيحية. قصة الحب تلك سببَت إزعاجًا، وقلقًا، وخوفًا للعائلتين. المشاعر كانت خليطًا من الصدمة والخوف على الصغيرين. فهل يكون الابن والابنة بذلك قد كفرا؟ وهل يجري إقصاؤها من الكنيسة، أو حرمانه من المسجد؟ أمَّا بطلا القصة، فقد منعهما ولع القلب من الاهتمام بالقيل والقال، أو إدراك معنى الوصمة المجتمعية، فمَضيَا قدمًا في قصتهما، إلى أن اختلفا في أمور لا تمتُّ إلى الدين بصلة، وانتهت القصة.

في حينها لم ترتعب مؤسسة الأزهر من أن عدد المسلمين قد ينقص واحدًا، ولم تَنْهار الكنيسة الأرثوذكسية خوفًا من أن يهجرها ابن من أبنائها. ربما غضب بعضهم، أوجزع! والمؤكد أن الغالبية المطلقة لم تشعر بالراحة، لكنَّ أحدًا لم يحرق كنيسة، أو يضرم النيران في مسجد، أو يجبر أُسَرًا مسيحية على النزوح عن بيوتها، أو يخطف فتاة مسلمة انتقامًا من الجبهة المضادة.

لكن، وفي ظل النظام العالمي الجديد، وتحوُّل الكوكب إلى قرية واحدة، وثورة المعلوماتية العنكبوتية، واكتشاف "كيبلر" منافسًا لكوكبنا الحبيب، وخروج "بلوتو" من مجموعتنا الشمسية، تظهر في عام 2011 "كاميليا" المسيحية المتزوجة بِقَسّ، عبر صورة نشرها أحد "المتشدِّدين" الإسلاميِّين، مذيَّلة ببشرى يزفُّها إلى ملايين المسلمين، أنَّ كاميليا أسلمت وارتَدَت النقاب، وبتهديدٍ ووعيد لـ"الكفرة" إِنْ هُم حاولوا إعادتها، أو إثناءَها عن دينها الجديد. ومع أن كاميليا ظهرت كاميليا بعد أشهُر في برنامج تلفزيوني مع زوجها القس، مؤكدة أنها لم تعتنق الإسلام، وأن الأمر لا يعدو خلافات زوجية دفعَتها إلى ترك المنزل، إلاَّ أنَّ تظاهرات إسلامية حاشدة نُظمت في ليلة القدر من العام نفسه، وفي الأسابيع التالية، مطالبة "عايز أختي كاميليا"!

وقبل "أختي كاميليا" كانت هناك "أختي وفاء"، زوجة كاهن مسيحي اختفت في عام 2006، وتردَّد أنها اعتنقت الإسلام؛ ما قلَب الكنيسة المصرية رأسًا على عقب، واحتج الأقباط الذين أكدوا أنها أٌجبرت على ذلك. فما كان من الدولة المصرية حينئذ إلاَّ أنْ أمرَت بتسليمها إلى الكنيسة، وحتى اللحظة يبقى مصيرها غير معروف. وهناك من يطالب بعودة "أختي وفاء"، حتى وإن كانت ميتة.

أحدَثُ الأخوات اللاتي يهدد بعضهم بإحراق البلاد وسحق العباد، إن لم تَعُد، هي "أختي أميرة". "أميرة" ابنة الـ 18عامًا، مسيحيةٌ اختفت قبل شهر من بيت أسرتها، في الأُقْصُر في صعيد مصر. قيل إنها أشهرت إسلامها، وتردَّد أنها كانت على علاقة بشابّ مسلم. والدها نَفَى، وأكد أنها ما زالت مسيحية، وتتعرض للتهديد من قبل شابّ مسلم في القرية، يودُّ الزواج بها. وبالطبع تحوَّل الأمر إلى "عايز أختي أميرة" من قبل متشدِّدي القرية، مطالبين بـ"أختهم"، حيث حاصروا منازل أقباط القرية، واندلعت الاشتباكات، ووقع مُصابون، واحتقنت القرية والقرى المجاورة بسبب "أختي أميرة".

وفي زمن التدْيِين، تتوالى الأخوات المطلوب عودتهنّ من هذا الدين إلى ذاك، وتتردد القصص حول فلان "الكافر"، الذي ترك دين الحق، مفضِّلًا عليه دين الباطل. وفي كل مرة تُحرق البيوت، وتُهجر عائلات، وتُضمد الجروح بجلسات عُرفيّة، مع الإبقاء على تلوُّثها باطنيًّا.

وبعيدًا عن الأثر الذي يمكن أن يلحق بدين ما، إنْ تركه هذا، أو انضمّ إليه ذاك، ما الذي تقوله علوم الاجتماع، والنفس، والمنطق، عن تطوُّر ردِّ الفعل الشعبي، من شعور طبيعي بعدم الراحة، وبقلق على الابن المتحوِّل، إلى إقبال جماعي على حرق، وقتل، وتهجير أبناء الدين الآخر؟! هل هو عدم ثقة في النفس، أم غيابٌ كامل للعقل، أم خَوَاء كلي للفكر، أم وهنٌ شامل للقلب، أم تجريف متكامل للتعليم والتربية؟ وكيف وصل الأمر بهؤلاء، إلى الاعتقاد بأن انضمام هذا إلى دينهم نصرٌ مُبين، وفتحٌ كبير؛ أو إلى التصديق بأنَّ هجْر ذاك لدينهم انكسار لرسالة السماء، واندثار لدين الآباء؟

وإذا فترضنا خسارة فادحة لدين ما، بِتسلُّل أحدهم خارجه، فهل أدَّت الكثرة العددية إلى تحرير فلسطين، أو وقفِ مخطط الشرق الأوسط الجديد، أو تقسيم العراق، أو تفتيت سوريا، أو تسلُّل "داعش" إلى سيناء، أو تجويع اليمن، أو إفشال ليبيا؟ "بلاها" أسئلة كونية كبرى. هل أدَّت جهود حرق أبناء الدين الآخر، إلى تأمين وجبة غذائية صحية لأطفالنا، أو حياة أكثر آدميَّة لجميعنا؟!

* هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2024
تصميم وتطوير Born Interactive