الرئيسية > رأي عام > مقالات > قيود الفكر أَدْمَت معصم “الست”
أمينة خيري (مصر)

قيود الفكر أَدْمَت معصم “الست”

الثلاثاء ٢٠١٧/٤/٠٤م   |   ١٤٣٨/٧/٨ هـ

مساء كل يوم، تَدقّ ملايين على (الريموت) بحثًا عن قناة تلفزيونية، تقدم أغانِيَ طربية قديمة. تصدح “الست” أم كلثوم، إمّا هائمة في بحور العشق معلنة “أمل حياتي يا حب غالي ما ينتهيش”، أو عائمة في بحور النور الإلهي مُسلِّمة “كنت أبتعد عنه وكان يناديني ويقول مصيرك يوم تخضع لي وتجيني”، أو تائهة في غياهب الشك “أكاد أشك في نفسي لأني أكاد أشك فيك”!

جانب من الملايين المثبتة على الشاشات، يقوم بهذا الطقس اليومي، ليس بحثًا عن استمتاع بتراث، أو سعيًا لطرب أصيل فقط، ولكن استرجاعًا لحالة حياتية مضت، وإحياء لتفاصيل دقيقة من التعددية الخلابة، والمواطنة الحاضنة لتنوع فاتن، ولَّت ودبَرَت مأسوفًا عليها. الكبار يطلقون الآهات مع كل مقطع، لكنها آهات لم تعد تقتصر على مشاعر السلطنة، أو تأوهات المجافاة، بل تطغى عليها (نوستالجيا) زمن فات. أما الصغار، فربما لا ينجذبون إلى مقطع واحد يتردد عشرات المرات، أو أسلوب غناء يسيطر عليه التمهل والتريث والاتزان، لكنهم يتوقفون أمام مشهد الجمهور، غير مصدِّقين أن أولئك كانوا مِصريِّين، أو مقيمين في المحروسة في زمن فات.

وفي حين تشدو “الست” مجاهرة “فات الميعاد”، يزيد الأجداد والجدات طين اندهاش الأحفاد بلَّة، بإضافة معلومات صادمة عن زمن فات. فالجارة كانت يهودية، والخياطة كانت إيطالية، ومصوِّر الأسرة كان أرمنيًّا، والبقال كان يونانيًّا، وقائمة مكونات لوحة الموزاييك طويلة وثريَّة. يسردون كيف كان هذا الثراء منعكسًا على حياة الجميع، قبولاً، واستساغة، وقناعة، واستهناءً، لدرجة أصبح معها المصريون يتعاملون مع هذا التنوع العرقي، والديني، والإثني، والثقافي، وكأنه الطبيعي، وليس العكس.

وقتها لم تكن عبارات جوفاء كـ “المجتمع نسيج واحد”، شائعة. فالمجتمع لم يكن نسيجًا واحدًا، بل متنوعًا مختلفًا، حيث احتفظ كل بهويته، وثقافته، وطقوسه، وكذلك بانتمائه إلى البلد الذي يعيش فيه. وكانت النتيجة مجتمعًا ثريًّا بعلاقاته، وإنتاجه، وتناغمه، دون ذوبان لجزيئاته، مع التفاتٍ من قِبل قاطنيه إلى تفاصيل حياتهم، بعيدًا عن رفض هذا، أو التعالي على ذاك، أو إنكار ثقافة هؤلاء، أو فرض وصاية على أولئك. يسمع الأحفاد الحكايات، وكأنهم يستمعون لتفاصيل “ألف ليلة وليلة”، حيث الخيال ضارب في العمق، والسحر بالغ في التفاصيل.

تعود الأنظار مجددًا صوب حفل “الست”، حيث تدقيق، وتفحيص، وتمحيص في الجمهور. سيدات، ورجال، يجلسون متجاورين دون سُعار جنسي، أو شهوة غرائزية. النساء يرتدين فساتين تبدو احتمالية ارتدائها في الشارع اليوم، رابع المستحيلات، بعد الغول، والعنقاء، والخِلّ الوفي. ومع ذلك لا تلمح نظرة ذكورية يختلسها أحدهم لجسد هذه، ولا تسمع تعليقًا سمجًا يطلقه هذا على قوام هذه. وبالطبع لم يسجل التاريخ حادث تحرش فرديًّا، أو ثنائيًّا، أو جماعيًّا، في هذه الحفلات التي كان يحضرها المصريون والمقيمون، من أبناء الطبقات المتوسطة وما حولها.

تشكل “الست” بحقبتها، وحفلاتها، وجمهورها؛ ومجتمعها، وعلاقاته، وإنتاجه، وثرائه، ومكوناته، وتعدديته، لغزًا كبيرًا في العالم العربي في الألفية الثالثة، وهو ما كان في عصره أمرًا طبيعيًّا غير قابل للنقاش، أو عرضة للتفكيك. لكن ما انفك المجتمع بتعدديته الفاتنة، أنْ تَفكّك ثراؤه الثقافي، وتبعثر رخاؤه الإثني، وتفتت رغده الإنتاجي. صحيح أن عوامل سياسية لعبت دورًا في ترسيخ الاستعداء، وتجذير الاستكراه (حرب 1948، وإعلان تأسيس دولة إسرائيل)، لكن عوامل أخرى كثيرة أطاحت بالتعددية، وعصفت بالثراء الثقافي والمجتمعي، حتى صار تاريخ مصر والمنطقة العربية القريب، أشبه بضرب من ضروب الخيال، غير القابل للتحقيق.

تشير الفتوى رقم 61729 في “شبكة الفتاوى الشرعية”، إلى أنه “لا يجوز الاستماع إلى أغاني أم كلثوم؛ بسبب الموسيقى التي ترافق الأغنية، ولأنه يحرم على الرجل سماع غناء المرأة الأجنبية، بالإضافة إلى اختلاط الرجال والنساء دون ستار حاجب”. لكن لحسن الحظ، أن الفتاوى متعددة، والآراء متنوعة. ففي العام الـ17 من الألفية الثالثة، يبشرنا آخَر بأنه في حال كانت الأغنية المراد سماعها، لا تحوي لفظًا مثيرًا للغرائز، أو معنى مناهضًا للعفّة، فإنه يُسمح بالاستماع إليها، ولكن بقيود.

قيود الفكر فتحت بيوت الله، لمن يذيِّل الموعظة الحسنة، والخطبة السمحة، بالدعاء على أحفاد القردة والخنازير، وإجلاء أبناء هذه الطائفة من هنا إلى هناك، وذبح أتباع هذا المذهب بما لا يخالف شرع السماء، والتلويح بمنع هذا، وحجب ذاك، ما دام لا يمتثل لقيود الفكر، وكُبول العقل.

وهنا تصدح الست مجددًا، صارخة: “قَيْدك أدْمَى معصمي”!

* هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.