الرئيسية > وحدة وتنوّع > الصابئة المندائيّون >
مندائيون بملابسهم البيضاء يتعمّدون في نهر دجلة (العراق). © Uday Khamas

مندائيون بملابسهم البيضاء يتعمّدون في نهر دجلة (العراق). © Uday Khamas

الصابئة المندائيّون

تاريخيًّا: من أقدم الجماعات الدينيّة التي عاشت في بلاد ما بين النهرين، ومعنى اسم “الصابئة المندائيّون” في اللّغة الآراميّة المندائيّة (المصطبغون المتعمّدون العارفون بوجود الله وتوحيده). يتّسم تاريخ المندائييّن بالإبهام، نظرًا لندرة التنقيبات والأبحاث حولهم، وانغلاقهم على أنفسهم بعد الاضطهاد الذي عاشوه على مرّ تاريخهم. يرجع بعض الباحثين أصلهم إلى فلسطين وحوض نهر الأردن، كجماعة عايشت أحد انبيائهم “يهيا يهانا” أو “يوحنا المعمدان”، وهاجرت من اضطّهاد اليهود إلى حران فجنوب العراق. بينما يرجّح أغلب الباحثين وجودهم من الأصل في جنوب العراق من خلال شهادات تأريخيّة ونصوص دينيّة إضافة إلى عادات المندائيّين وطقوسهم المتشابة مع ديانات ما بين النهرين.

الجغرافيا/ الديموغرافيا: يتمركز الصابئة المندائيّون عادة بالقرب من الأنهر لأداء طقوس التعميد. تواجدوا تاريخيًا في مناطق الحجاز وبلاد الرافدين وفلسطين، وفيما بعد في العراق وجنوب إيران. تمركزوا في القرن الماضي في بغداد والأنبار وكركوك والديوانية في العراق والأهوار في إيران.

يقارب تعدادهم 100 ألف نسمة؛ حوالي 75 ألفًا كانوا في العراق (قبل 2003م)، و20 ألفًا في إيران. وقد تشتّت الصابئة إثر الحروب الأخيرة وتفرّقوا في أنحاء العالم في أوروبا وأميركا وأستراليا، وبقي في العراق ما يقارب 7 آلاف مندائيّ، نزحوا بأغلبيتهم إلى السليمانية وإربيل في شمال العراق في السنوات الماضية.

المزيد...

الكتب المقدسة:

"الكنزا ربا":الكتاب المقدّس للصابئة المندائيّون، مكتوب باللغة الآراميّة، يحتوي على "بوث" وهي (فصول) تماثل السور في القرآن، وكل بوث تحوي مجموعة من التسابيح.

"دارشا اد يهيا": أيّ (تعاليم يحيى)، وتدور حول النبيّ يحيى/يوحنا المعمدان ونشأته وتعاليمه ووصاياه وهجرة المندائييّن من فلسطين إلى ضفاف الفرات.

كتب طقسيّة منها "الانياني" و"القلستا": وتحوي أدعية وصلوات وأناشيد عامّة وأخرى خاصّة بطقس الزواج.

الأماكن المقدّسة:

المندي: يُبنى على الضفة اليمنى من حافة نهر جار أو نبع ماء جارٍ. يتجه بابه نحو الجنوب ومحرابه نحو الشمال (القبلة عندهم)، ويخلو من أي تمثال أو صنم، ويعلوه "الدرفشا". وتقام في المندي الصلاة، والتعميد بالماء الجاري، ومراسم الزواج والأعياد، ويضمّ بعضها قاعات للاجتماعات والضيافة والأنشطة الدينيّة.

العقائد المقدّسة: الصابئة المندائية من أقدم الديانات التوحيديّة.

  • هي ديانة غير تبشيريّة، فالمندائيّ فقط هو المولود من أب وأم مندائيّين.
  • تدعو إلى الإيمان بالله ووحدانيته، بفناء الجسم، وخلود الروح وعودتها إلى خالقها، ووجود عالمين: عالم النور الذي يدخله المؤمنون الصالحون وعالم الظلام المخصّص للأشرار.
  • يؤمن الصابئة المندائيّون بأن أوّل نبيّ ومعلم لهم هو "آدم" وابنه "شيت" و"سام بن نوح" و"يحيى بن زكريا" أو "يوحنا المعمدان" الذي يتّبعونه مسمّينه (يهيا).

الطقوس والشعائر:

  • للديانة المندائية خمسة أركان:

التوحيد: للخالق ربّ العوالم كلها، الذي لا حدود لقدرته.

الصلاة: تسمّى "البراخا" وتؤدّى 3 مرات في اليوم باتّجاه الشمال حيث أبواب عوالم النور، يسبقها "طقس الرسم" أي (الوضوء).

الصوم: صوم صغير للجسد عن لحوم الحيوانات ونحرها خلال 36 يوم في السنة. وصوم كبير للنفس بالامتناع عن كل ما يشين علاقة المندائيّ مع خالقه أو أخيه الإنسان.

الزدقا: أيّ (الصدقة)، وهي كلّ ما يهبه المندائيّ مما يملك لأخيه الإنسان الذي لا يملك، ومن دون إشهار.

الصباغة: طقس "التعميد" لتطهير النفس هو فرض واجب على كل المندائييّن. ويمكن للمندائيّ أن يتعمّد أكثر من مرّة ومتى أراد. وهو طقس واجب يقام أيام الآحاد في الأعياد الدينيّة والمناسبات، وللأطفال الرضّع والأمّهات بعد مرور شهر على الولادة، وللكبار قبل وبعد الزواج. يجري التعميد او "المصبتا" في المياه الجارية، ويرتدي المصطبغون اللباس الدينيّ "الرستا" وهو قماش أبيض يرمز للنقاء، حيث يقوم رجل الدين بتغطيس المؤمنين ويتلو الصلوات والأدعية.

الزواج: محصور ضمن الجماعة الدينيّة للرجال والنساء، فهو عقد مقدّس يتحول بعده الزوجان إلى روح واحدة لا تنفصل حتى بعد الموت. والطلاق محرّم.

المحرّمات: تحرّم الديانة المندائيّة الختان، شرب الخمر، الربا، البكاء على الميت، تلويث الطبيعة والأنهار، أكل الميتة والجارح، الانتحار والإجهاض، تعذيب النفس، الزواج من غير الصابئيّ.

التقاليد والخصوصيات الثقافية:

  • الصياغة: يتميّز الصابئة عالميًّا بصياغة ونقش الذهب والفضّة والتطعيم بالمينا السوداء، فأطلق عليهم في العراق تسميّة "صاغة الفضّة"، ولا تزال صياغة وبيع الذهب أبرز مهنة لهم، خاصة في بغداد.
  • الحِرف: إشتهروا تاريخًّا بالأعمال الحرفيّة من الحدادة والنجارة وصناعة الأدوات الخاصة بالزراعة، خاصّة صناعة الزوارق وإصلاحها، والسيوف والخناجر.
  • ذبيحة خروف البنجة: تذبح الخراف صباح عيد "البنجة" بعد تطهيرها في الماء الجاري، وبطقوس دقيقة تحت إشراف رجل دين، ويتمّ توزيع بعضها على الأقارب والجيران.
  • الثياب البيضاء: يلبس المندائيّون الثياب البيضاء في مناسباتهم الدينيّة كلّها، لأنها ملابس الملائكة في عالم النور. ويكفّن الميت بالثياب البيضاء لتخرج روحه طاهرة إلى العلياء.

الرمز المقدّس: "درافشا آد يهيا يُهانا" وتلفظ بالعامّيّة "درفش" وتعني باللغة المندائيّة (راية يوحنا المعمدان) وهي"راية النور" أو "راية السلام"، إذ ترمز إلى عالم النور وإلى شجرة الحياة. تتكوّن من غصنين متقاطعين لشجرة مثمرة على هيئة علامة زائد، يُربطان بحبل أبيض وتحيطه سبعة أعواد (اغصان) من نبات الآس، ويوضع عليهما رداء من الحرير الابيض وتنتهي إحدى جوانبه بمجموعة من الشراشيب.

قيم ومواقف روحيّة:

"صوموا الصوم الكبير صوم القلب والعقل والضمير لتصم عيونكم وافواهكم وأيديكم". كتاب الكنزا ربا

 "إن المندائيّة من الأديان التي حملت السلام شعارًا لها، فأحكام ديننا تحرّم القتل والقتال ونرفض العنف والعدوان ونوصي بالمسامحة والمحبّة، وعرفهم مجاوروهم من العراقين بحبّهم للسلام والتسامح. فنحن كمندائيّين نحمل دعوة التوحيد من أجل البشريّة، نتطلّع ان تكون قيم المحبّة والتسامح سائدة على وجه الارض…فكرة المسامحة وتقبّل الآخر لا يمكن تأسيسها في المجتمع من خلال أقوال البعض فحسب وإنما من خلال اعادة بناء الدولة ومؤسّساتها وبرامجها الثقافيّة والتعليميّة وذلك من خلال جهد وطني شامل...إن القيم المشتركة للأديان لا تكفي لتأسيس مجتمع مستقر، هذا الجهد الجبّار يقع على عاتق كل المؤسّسات الحكوميّة والأحزاب ومنظمات المجتمع المدنيّ ومنظمات مجتمع الأهل والأفراد وصولًا لمجتمع التآخي والسلام."  الشيخ ستار الحلو، رئيس طائفة الصابئة المندائية