الرئيسية > وحدة وتنوّع > العمارة والمقدّس >
كنيسة جبل سان ميشيل، بُنيت على الصخر قبل نحو 1300 سنة. © Éditions Agora - Seni Thierry/hemis.fr

كنيسة جبل سان ميشيل، بُنيت على الصخر قبل نحو ١٣٠٠ سنة. © Éditions Agora - Seni Thierry/hemis.fr

العمارة والمقدّس

فضاء التلاقي مع الألوهة.

تُعتبر العمارة بمختلف أشكالها واحدة من الفنون الكبرى للإنسانيّة. والعمارة الدينيّة هي فنّ إيجاد مساحةِ اللقاء بين السماء والأرض، والمقدّس والدنيويّ، ألإلهيّ والبشريّ، وقد شيّدت التقاليد الدينيّة المختلفة عبر الزمن وفقًا لشعائرها مبانٍ تُلاءم خصوصيّاتها؛ فتنوّعت أشكال البناء لاختلاف الموارد التقنيّة الخاصّة بكلّ حضارة، فضلًا عن الظروف الجيوفيزيائيّة والمناخيّة للموقع الذي أنشئت عليه.

تتّخذ المباني الدينيّة أشكالًا متنوّعة فقد تكون: دائرةً من الحجر المنتصب التي تحدُّ مكانًا مقدّسًا؛ كالحجارة الضخمة الميغاليتية في ستونهانج في إنكلترا (حوالي ١٧٥٠ ق.م)، أو على شكل مغارة كمعابد أبو سمبل في صعيد مصر، والكهوف البوذيّة في أيلورا وأجانتا في الهند، وكنحتٍ محفورٍ في الصخر قد يتّخذ شكلًا بسيطًا أم ضخمًا يرتفع على عدّة طوابق على مثال كنائس لاليبيلا في إثيوبيا المحفورة على شكل صليب. وتُشاد هذه الأبنية في أماكن منعزلة، أو تتّخذ شكل مجمّعات تمتدّ على عدّة آلاف من الأمتار مثل معبد أنغور في كمبوديا أو كنائس الكرملين الأرثوذكسيّة في موسكو (روسيا). تُستخدم في البناء مختلف المواد المتاحة، من مصادر الأرض الصلبة إلى الموارد الأثمن كالذهب الذي يغطّي معبد السيخ في أمريتسار في الهند، والعديد من القبب في العالم.

المزيد...

تشكّل المعابد، واﻟﭙﺎڠود، والكنيس، والكنائس أو المساجد في آنٍ واحد ثمرة تفانٍ وتفكير.، إذ تُعبّر هذه المباني الدينيّة ما وراء بُعدها الوظيفيّ عن رؤيةٍ للعالم، فهي تمنح مساحة كبيرة في شكلها وتصميمها للبعد الفنّي الذي يسهم في إغناء مفهوميّ الجمال والانسجام.كما يأتي هذا النمط التعبيريّ كوسيلة فضلى لتجسيد نصوصٍ تأسيسيّةٍ، وترجمة مفهومٍ دينيٍّ وإظهار العلاقة بين المؤمنين والإلهي.

يؤثّر عاملان إثنان مجتمعان في هذه الانشاءات المعماريّة؛ يتعلّق الأوّل بالبعد الرمزيّ الذي يظهر في تصميم المبنى نفسه، ويكمن العامل الثّاني في الغاية من بنائه كمعبدٍ لإيواء الآلهة، أو مكان للقاء جماعيّ، أو نصب لإحياء ذكرى.

بعدٌ رمزيّ

القرب من الإلهي

يسود في مختلف الحضارات اعتقاد بأن الجبال المقدّسة هي أمكنة مميّزة للقاءٍ مع الإلهي. ويتجسّد هذا الاعتقاد رمزيًا في كثير من الأحيان في البناء الهرميّ، ويسري كذلك على الزقورات في بلاد ما بين النهرين كبرج بابل الذي وُصف في الكتاب المقدّس، وأيضًا على أهرامات المايا والأزتك التي كانت قممها معابد، وتستحضر القبب كذلك هذه الرمزية للتقارب مع الإلهي.

إرتفاعٌ سماويّ

ترمز المباني العاموديّة للصلة ما بين الأرض والسماء التي يرنو إليها البشر: كالعامود، وبرج الكنيسة، والمئذنة، والبرج الهرميّ لمعبد هندوسي،كما (اﻟﭙﺎڠود) و(الستوﭘﺎ) البوذيّين. وتمثّل كذلك في كثير من التقاليد الدينيّة أفكارَ الإرتقاء والتطوّر الروحيّ، تمامًا مثل تسلّق الجبال للوصول إلى العالم السماوي للإله أو الحقيقة المطلقة.

الهندسة المقدّسة

يُستوحى تصميم المساحات المقدّسة غالبًا من الأشكال الهندسيّة الأساسيّة المرتبطة بالعالم الأرضيّ، فيُذكِّر المربّع أو المستطيل بالجهات الأربعة، وترمز الدائرة والكرة السّماوية والأقواس الدائرية والقباب إلى الإلهي. وتعتمد الكنائس المسيحيّة كثيرًا على الصليب.

بعد وظيفيّ

مسكن الإله

المعبد عند الديانات القديمة هو منزل الإله، هو الحاضر غالبًا من خلال تمثاله كما في مصر واليونان القديمة. ويسري هذا المعتقد أيضًا في التقليد الهندوسي، ويدعى "ماندير" في اللغة السنسكريتيّة، أي (البيت)، حيث يتمّ تنظيم البناء حول تمثال الإله للاهتمام به. في تقاليد أخرى، يعتبر المعبد بيت الكتاب المقدّس مثل لفائف التوراة في الكنيس اليهوديّ، أو كتاب "ڠورو ڠرانث صاحب " في معابد السيخ.

مكانٌ للتجمّع

غالبًا ما تكون المباني الدينيّة هي أماكن تجمُّع الجماعة مثل الكنيس والكنيسة والمسجد. وقد خصّصت بعض التقاليد مساحاتٍ معماريةٍ لاستيعاب حشودٍ كبيرة من المؤمنين، كساحة القدّيس بطرس في روما عند الكاثوليك. وكذلك خلال الاحتفالات الدينيّة الهندوسيّة التي تُجرى طقوسها العامّة دائمًا خارج المعابد، وهذا ما كان يجري تمامًا في اليونان القديمة، وعند المايا والأزتيك.

نصبٌ تذكاريّ

النصب التذكاريّ هو الشكل الأكثرَ شيوعًا في إطار العمارة المقدّسة. فهو يُخلّد، في كثير من الأحيان، الذكرى والتبجيل لشخصيّة أسطوريّة أو تاريخيّة (إله، نبيّ، قدّيس، شهيد) أو حدث متعلّق به، وهذا ما ينطبق على أضرحة الحكّام العظماء في الصين والأولياء في التقليد الصوفي المسلم؛ وأيضًا في بعض المعابد البوذيّة، كمعبد مهابودهي المنتصب في (بودغايا-الهند)، حيث بلغ بوذا التنوير.