الرئيسية > رأي عام > مقالات > أبعاد تقرير التنمية الإنسانيَّة في المشهد العربي الحالي
ريم خليفة (البحرين)

أبعاد تقرير التنمية الإنسانيَّة في المشهد العربي الحالي

الأربعاء ٢٠١٨/١/٢٤م   |   ١٤٣٩/٥/٨ هـ

 

يُعدُّ جيل شباب اليوم في المنطقة العربيَّة، أكثر تعليمًا ونشاطًا وارتباطًا بالعالم الخارجي، وأيضًا بالنسبة إلى مستوى وعيهم بواقعهم المَعِيش وتطلُّعاتهم إلى مستقبل أفضل، إلَّا أن وعي الشَّباب -بحسب تقرير التَّنمية الإنسانيَّة سنة 2016- نبَّه إلى أنَّ ذلك كله قد يصطدم بالواقع الذي يُهمِّش الشَّباب، ويَسدّ في أوجُهِهم قنوات التعبير عن الرأي، والمشاركة الفاعلة، وكسب العيش؛ ما قد يتسبَّب في دفعهم إلى التحوُّل من طاقة هائلة للبناء، إلى قوَّة كاسحة للهدم.

هذه القوة الكاسحة للهدم، جاءت كردَّة فعل سلبيَّة من ثورات لم تحقِّق أحلام الشباب في العيش بِحريّة وعدالة اقتصاديَّة تكفل لهم حياة كريمة. وآخرون انتهى بهم أمرهم إلى الزج في السُّجون أو الملاحقة قضائيًّا، ضمن سلسلة طويلة من الممارسات السلطويَّة المقاوِمة للتَّغيير منذ العام 2011 وحتى الآن.

لقد أشار التقرير الَّذي حمل عنوان “الشَّباب وآفاق التَّنمية واقعٌ متغيِّر”، إلى أنَّ “أحداث 2011 وما تلاها أثبتت قدرة الشَّباب على المبادرة بالفعل وعلى تحفيز التغيير… وأثبتت هذه الأحداث أنَّ حصر الاستجابة لمطالب التغيير بالتعامل الأمني دون التصدِّي لمعالجة أسبابها يُحقِّق استقرارًا مؤَقتًا يؤجِّل دورات الاحتجاج، لكنّه لا يُقلل من فرص تكرارها؛ لا بل قد يؤدّي إلى تراكُمها، لتعود إلى الظُّهور بأشكال أكثر عنفًا”. ثم إن الإرهاب، والقتل، والبطالة، والفقر، ونقص الوعي، والإغراءات الماديَّة، من الأسباب التي قد تُحفّز بعض الشَّباب على الانضمام إلى المجموعات المتطرِّفة والمتشدِّدة. لكن التَّقرير أيضًا حذَّر من تحوُّل حالة الإحباط إلى الراديكاليَّة بسبب التَّهميش المستمر، مع استمرار انعدام الفرص، وهي عوامل تعُوق اتِّخاذ الخطوات الضروريَّة والتَّعاطي مع المجتمع والدَّولة، إذ ركَّز على أقليَّة تبنَّت العنف وقبلت المشاركة في جماعات تدَّعي النِّضال من أجل التَّغيير، أو من أجل بثِّ خطابات الكراهية لأجل استمرار الفُرقة، وإشغال الرأي العام عن القضايا الجوهريَّة التي تمسُّ المجتمع، وحاجاته إلى مطالب ما زالت مغيَّبة.

لقد قدَّم التقرير صياغةً لنموذج جديد للتَّنمية، يعمل على تمكين الشباب من خلال تعزيز قدراتهم الأساسيَّة -لا سيَّما في مجالَي التعليم والصحة-، وإتاحة الفرص أمامهم لتحقيق الذات، وخصوصًا في المجالَين الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى العمل على تحقيق السَّلام الاجتماعي. لكن ما يحدث في المشهد العربي من استمرار ممارسات تنتهك حقوق المواطنين، هو ما يهدِّد الإنسان العربي في شتَّى المجالات؛ وذلك لغياب الأمن والاستقرار. أَضِف إلى ذلك ما يتجاوز مسألة النزاعات المسلَّحة ليشمل قضايا أخرى أساسيَّة، منها التدهور في البيئة، والوضع الهشُّ لعدد كبير من الفئات الاجتماعيَّة، والتقلُّب الاقتصادي، والأنظمة الصحيَّة الضعيفة، وعدم خضوع الأجهزة الأمنيَّة للمساءلة.

إنَّ الاهتمام المستمر بتقارير تُصْدرها الأمم المتَّحدة عن المنطقة يُعدُّ أمرًا جيِّدًا، لكن يا للأسف، فإنَّ ما احتواه التقرير -ومع مرور عام على إصداره- يوضح أنَّ دول المنطقة العربيَّة، لم تستفد حتى الآن وبشكل جدِّي من التقرير الأخير، الذي تناول موضوعات أساسيَّة تربط التَّنمية بحريّة المواطن العربي أيًّا كان، شابًّا أم كهلًا. ولعلَّ هذا ينفع في توعية الجميع بما نحتاج إليه حاليًّا في بلداننا العربيَّة، حتَّى نعيش في أمن وسلام.

 

* هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.