الرئيسية > رأي عام > مقالات > أزمة الإعلام الديني
عامر الحافي (الأردن)

أزمة الإعلام الديني

الثلاثاء ٢٠١٧/١٠/١٧م   |   ١٤٣٩/١/٢٧ هـ

يؤكد الانتشار الواسع للإعلام الديني في مجتمعاتنا العربية والإسلامية الدور الكبير الذي يمثله الدين في هذه المجتمعات، ورغم النجاحات المهمة التي حققها هذا الإعلام، إلا أننا لا نزال في حاجة ماسة إلى إجراء مراجعة نقدية تفتح أمامنا سبلًا جديدة لتطوير منتجات الإعلام الديني، بما يعزز القيم الجوهرية للدين، ويُعمِّق روح المواطنة والتعددية الدينية والثقافية.

خلافًا للصورة السائدة للإعلام الديني في مجتمعاتنا العربية المعاصرة، والذي لا يتجاوز في كثير من الأحيان الدروس الوعظية والتربوية أو الخطب والمحاضرات حول العبادات والعقائد، فإن آفاق الإعلام الديني يمكن أن تنفتح على مجالات الشأن الإنساني بما يخدم الفرد والمجتمع.

يُفترض في الإعلام الديني أن يرتقي بالسلوك البشري، ويعظِّم القيم الإنسانية الجامعة، ويخدم الصالح العام، ويعالج الجوانب المدنية والعلمية والثقافية والفنية. الإعلام هو صناعة ثقيلة تسهم إلى جانب تأثيرها الاقتصادي في بناء القناعات وتغيير الاتجاهات، والتعبير عن ثقافة المجتمع واتجاهاته وآماله. فالإعلام يمثل تعبيرًا موضوعيًّا عن حراك الإنسان وتفاعله الإبداعي في بناء المعرفة والتعارف والوحدة والتنوع.

الاختلاف في المجالات والمواضيع المطروحة في الإعلام الديني، لا يجعل منه قطاعًا منفصلًا عن صناعة الإعلام من حيث أسباب النجاح أو الإخفاق؛ وعلى هذا الأساس، فإن أول نقد يمكن أن يُقدَّم لواقع كثير من الإعلام الديني هو السطحية والطائفية والانجذاب نحو أجندات سياسية، ومصالح تجارية تسعى إلى استغلال سذاجة المخاطَبين وعواطفهم.

من المشكلات الأساسية التي تواجه الإعلام الديني إلى جانب الخلط بين الدين والسياسة، مشكلة الخلط بين الدين والعلم، وادعاء القدرة على شفاء الأمراض وعلاج السحر والعين وإخراج الجن وتفسير الأحلام. كما أدى الخلط بين الإعلام الديني والدعوة الدينية إلى اختزال الإعلام في دوائر محدودة، جعلته مقصورًا على مخاطبة فئة محددة من الناس دون غيرها.

الانتقال من الخطاب الديني العاطفي والإعجازي، إلى خطاب إنساني واقعي يستوعب احتياجات الإنسان وهمومه المعاصرة، يمثل ضرورة مُلحَّة من شأنها أن تسهم في إعادة الثقة بالخطاب الديني، والارتقاء بمضمون الإعلام الديني.

من الضروري عند الحديث عن الإعلام الديني أن نستذكر المخرج السينمائي العربي مصطفى العقاد الذي أخرج فيلم الرسالة، والذي يُعدُّ من أعظم الأعمال السينمائية التي تعبر عن المضامين الدينية في الإسلام. والمحزن أن نهاية العقاد كانت مع ضحايا تفجيرات عمان الإرهابية عام 2005، والتي أعلن تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين مسؤوليته عنها! وليس من باب المصادفة أن تكون المرجعية الدينية التي يتبعها هؤلاء الغلاة، تحرِّم السينما والفن والرسم والموسيقى والمسرح، وترى فيها رذيلة وانحرافًا عن الإسلام!

ما يزال جزءٌ مهمٌّ من العقل الفقهي بعيدًا عن إدراك أهمية الإبداع الفني الإعلامي، ويتجلى ذلك في الفتاوى التي حرَّمَت الستالايت في بداية انتشاره، ثم شرَعَت تحرِّم بعض الأعمال الإعلامية بدعوى عدم جواز تجسيد صور الأنبياء كما في مسلسل “يوسف”. ولم تَسْلم بعض برامج الكرتون مثل “بوكيمون” من التحريم بدعوى أنه يروِّج لنظرية التطور! ولم يَسلم معظم الإعلام الديني من آفة التحيز في معالجة الموضوعات ذات الصبغة السياسية. كذلك جرى استغلال هذا الإعلام في حملات التجييش والتحريض التي تعِجُّ بها معظم وسائل الإعلام في وقتنا الراهن. كما لم يستطع كثير من الإعلام الديني الخروج عن دائرة الاستقطاب الطائفي وهيمنة رأس المال الإعلامي، اللَّذَين يُحكِمان قبضتَيْهما على فضائياتنا العربية عمومًا.

على الإعلام الديني أن يعمق اهتمامه ببناء المجتمع الإنساني المعاصر، من خلال التركيز على حقوق الإنسان، والمواطنة، والديمقراطية، وإعلاء قيمَتَي الوحدة والعدالة الاجتماعية.

ينجح الإعلام الديني في تحقيق رسالته عندما يستنطق المعاني الجوهرية لِلدِّين، وينطلق من فكر إصلاحي حضاري يستوعب التحديات الراهنة، وينتقل بالعقل الجمعي من الارتهان بالماضي إلى فقه الواقع، ومن القَطْعيّة العَقَدِيّة إلى النسبية الاجتهادية، ومن ازدراء الحياة الدنيا والتحذير منها إلى تعميق معاني الحياة والابتهاج بها.

* هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.