الرئيسية > رأي عام > مقالات > أقلِّيّات أمْ مُكوِّنات؟
فادي ضو (لبنان)

أقلِّيّات أمْ مُكوِّنات؟

الخميس ٢٠١٩/٩/٢٦م   |   ١٤٤١/١/٢٧ هـ

في السَّنوات الأخيرة، شهِدَت اللُّغة السِّياسيّة في منطقة الشَّرق الأوسط، تطوُّرًا لافتًا فيما يتعلّق بمسألة “الأقلِّيّات”، إذ ازداد تدريجيًّا الانتقاد لمفهوم الأقلِّيّات، وُصولًا إلى التَّحذير من استعماله. وفي هذا السِّياق، دعا البيانُ الختاميّ لقِمَّة الأزهر ومجلس الحكماء المسلمين (2017)، تحت عنوان: “الحرِّيَّة والمُواطَنة، التَّنوّع والتَّكامل”، المثقَّفين والمفكِّرين إلى: “أن يتنبَّهوا لخطورة المُضيِّ في استخدام مصطلح “الأقلِّيّات”، الَّذي يَحمل في طيَّاته معاني التَّمييز والانفصال، بداعي التَّأكيد على الحقوق”. وعَدَّ البيانُ أنّ الحديث في الأقلِّيّات وحُقوقِها، ناتج من تجاهُل مفهوم المُواطَنة ومُقتَضياته.

كان قد سبق هذا المؤتمر، صدورُ “إعلان مراكش لحقوق الأقلِّيّات الدِّينيّة في العالم الإسلاميِّ” (2016). ومع استعماله مصطلح الأقلِّيّات في عنوانه، إلّا أنّ إعلان مراكش شكّل منعطَفًا في الفكر الإسلاميِّ الرَّاهن، بتأكيده ثلاثة مسلّمات رئيسة، ناتجة من المبادئ الكلِّيّة للإسلام، وهي: أنّ جميع البشر هُم إخْوة في الإنسانيّة؛ وأنّ لهم حقّ الاختيار لمعتقداتهم؛ وأنّ المواطَنة هي العَقْد الَّذي يجمع فيما بينهم في سياق دولة وطنيّة، يشكّلون فيها على اختلاف انتماءاتهم نسيجًا مجتمعيًّا واحدًا. يستند “إعلان مراكش” بذلك إلى “صحيفة المدينة”، فيقول في الفقرة 11/أ بأنّها: “لا تتحدّث عن أقلِّيّة وأكثريّة، بل تُشير إلى مكوِّنات مختلفة لأمّة واحدة”.

أمّا على المستوى التَّطبيقيِّ، فلقد اعتمد الدُّستور العراقيُّ الجديد (2005) مفهوم “المكوِّنات”، للحديث في الجماعات الدِّينيّة والإثنيّة المكوِّنة للنَّسيج الوطنيِّ العراقيِّ. فعدّ بعضهم هذا الاستعمال تَقدّمًا ملحوظًا في الثَّقافة الدُّستوريّة النَّاظمة للعلاقات بين المواطنين؛ إذ تَكمن أهمِّيّة مصطلح “المكوِّنات” في أنّه ينطبق على جميع الجماعات الوطنيّة، بغضّ النَّظر عن حجمها. فالشِّيعة مُكوِّن، كما: السُّنّة، والكورد، والإيزيديِّين، والمسيحيِّين، والصَّابئة، وغيرهم. فيصبح الاعتبار في هذا السِّياق ليس للحجم العدديّ للجماعة، بل للاعتراف بأنّها جزء من المجتمع وأساسٌ في تكوينه. فالمُكوِّن ليس دخيلًا ولا هامشيًّا؛ إذ بغيابه يَفقِد المُكوِّن (أي الجماعة الوطنيَّة الشَّاملة) شيئًا من ذاته وهُويّته. لقد أضفى مفهوم “المكوِّنات” بُعدًا أنثروبولوجيًّا ثقافيًّا على الاجتماع السِّياسيِّ الوطنيِّ، وحرّر مقارَبةَ الجماعات من سلطة العدد وأثره في ارتباطها بالمجتمع.

لكن على الرغم من ذلك، نسمع اليوم أصواتًا صادرة عن مفكرّين وسياسيّين ينتمون إلى مكوِّنات صغيرة عدديًّا، تُنادي بالعودة إلى مفهوم الأقلِّيّات. وقد يَعُدُّ بعضهم/هنّ هذا الموقف غريبًا ومتناقضًا مع التَّطوّر، الَّذي مثّله اعتماد مفهوم “المكوِّنات” في الخطابَين الإسلاميِّ والسِّياسيّ. وعندما نتفحّص الموقف عن قرب، نرى أنّه مبنيّ على تقويم للممارسة الَّتي ارتبطت بمفهوم “المكوِّنات”. ففي العراق مثلًا: يعتقد هؤلاء أنّها استمرّت في اعتماد التَّمييز والتَّهميش على المستوَيَين السِّياسيِّ والاجتماعيِّ، ولم يؤدِّ مفهوم المكوِّنات إلّا إلى تطوير السَّرديّة السِّياسيّة، دون أن يكُون لذلك أثرٌ في الواقع. فالانتقال من مفهوم “الأقلِّيّات” إلى “مفهوم” المكوِّنات، أفْقَد الجماعات الصَّغيرة الامتيازات الَّتي يَضْمنها القانون الدُّوليّ، ولم يُقدّم لهم بديلًا في المعاملة المحلِّيّة داخل أوطانهم.

لقد صدر عن مكتب المفوّض السَّامي لحقوق الإنسان في الأمم المتَّحدة سنة 2010، وثيقة مهمّة بعنوان: “حقوق الأقلِّيّات: المَعايير الدُّوليّة وإرشادات بشأن تطبيقها”. وتُركّز هذه الوثيقة على ضرورة حماية حقوق الأقلِّيّات، وإنِ اقتضى ذلك إجراءات قانونيّة خاصَّة، فيما يخصّ مسائل: “البقاء والوجود، وتعزيز وحماية هويّة الأقلِّيّات، والمساواة وعدم التَّمييز، والمشاركة الفعّالة وذات المعنى” (الفقرة الثالثة).

اِعتقد بعضهم/هنّ أنّ مجتمعات منطقة الشَّرق الأوسط (ذات الغالبيّة المسلمة)، قطعت شوطًا مهمًّا في التَّطوّر الفكريِّ السِّياسيِّ، بتخلّيها عن منطق الأكثريَّة، في التَّعامل مع الجماعات الأخرى في مجتمعاتها كأقلِّيّات خاضعة لها، واعتمادها مفهوم “المكوِّنات” الجامع، والذي يضع الجميع على قَدَم المساواة في الوجود والمشاركة. لكن الممارسة السِّياسيّة الفعليّة، أظهرت أنَّ تغيير المفهوم لم يؤدِّ حتمًا إلى تغيير العقليّة والمواقف والقيم المرتبطة به. فغدَا المفهومُ الجديد غِطاءً لاستمرار ممارسات مُجْحفة بحقّ الآخرين.

أمام هذا الواقع، جاء ردّ فعل بعضهم/هنّ من أبناء المكوِّنات الصَّغيرة، ليُعبّر عن ضعف الثِّقة بين أبناء الوطن، وخاصَّة تجاه الأغلبيّة المهيمِنة على السُّلطة. فذهبوا إلى البحث عن دعم قد يأتي من القانون الدُّوليّ و”أصدقاء الخارج”، في حين ذهب قسم آخر من هؤلاء، إلى البحث عن تَحالُف بين الأقلِّيّات الصَّغيرة، ليشكّلوا قوّة وازنة في وجه المكوِّن الأكثريّ. وهذا الموقف يعبّر ليس عن ضعف ثقة وحسب، بل عن ضرْب أُسُس المُواطَنة، وفتْحِ الباب أمام الصِّراعات الأهليّة في المجتمع الواحد.

بالنتيجة، لم يُلْغِ مفهومُ المكوِّنات الواقعَ الدِّيموغرافيَّ ولا الثَّقافيّ، بل شكّل خطوةً في مسيرة لا تزال في بداياتها، عنوانها أبعدُ من المفهومَين: مكوِّنات وأقلِّيّات، أيْ: بناء دولة المُواطَنة الحاضنة للتَّنوّع، في ظلّ أنظمة ديمقراطيّة تعدّديّة.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.