الرئيسية > رأي عام > مقالات > أوهام المدينة الفاضلة
أمل الحارثي (الأردن)

أوهام المدينة الفاضلة

الإثنين ٢٠١٩/٧/١٥م   |   ١٤٤٠/١١/١٣ هـ

أعلنَت الأمم المتحدة يوم 11 تموز/يوليو من كلِّ عام، يومًا عالميًّا للسُّكّان، بهدف تسليط الضوء على ضرورة العمل من أجل تحقيق التنمية المستدامة، عن طريق الاهتمام بالصحة الإنجابيّة والمساواة بين الجنسَين. وهو مناسبة لتثقيف الناس حول الصحة، والحقوق الإنجابيّة، وحقوق الأطفال.

لا شك أن العمل على التنمية المستدامة، يتطلَّب جهودًا جبّارة من الحكومات والأنظمة، تُوضَع فيها الخطط على المدَيَيْن المتوسط والطويل، وتُنفَّذ بعناية. إلَّا أن هناك مسؤولية أخرى تقع على عاتق المجتمعات نفسها، تُجاه الأُسَر والأفراد. فالتوعية يجب أن تسير جنْبًا إلى جَنْب، مع المشاريع الحكومية التَّنموية. وأكثرُ الأمور التي تَستوجب التثقيف والوعي، هو حقوق الطفل المُهدَرة يا للأسف، في الكثير من بلدان العالم الناميَة، وحمايةُ الطفل من خطر الشارع.

حوادث مرعبة يذهب ضحيّتها أطفال لا ذنب لهم، استوجبَت رفع الأصوات المندِّدة بخطر الشارع، والتي تُحذّر مِن إهمال الأبناء، أو من خروجهم من المنزل بدون رقيب. الدَّعوات لفَتَ أغلبُها إلى أنّ الشارع لم يعُدْ آمنًا كما في السابق، وأنَّ الحيَّ تَغيَّر والأعداد زادت، وأصبحْتَ لا تَعرف مِن أين أتى جارُك/جارتُك، وما أصْلُه(ها)، إلى آخره من كلام اعتدْنا سماعَه، لوصف الزمن الذي نعيش فيه، والذي يُعبَّر عنه بِـ”الأغْبَر”، مقارَنةً بالأزمان الرائعة التي مضت. فهل تَغيَّر الشارع فعلًا؟ وهل كان حَنونًا، فقسَا فجأةً؟

في الواقع، الشارع أصبح أكثر خطورة، ولكنّه لم يكُن يومًا حنونًا على الأطفال. قصص كثيرة سمعْتُها مِن سيّدات في الثلاثينيّات والأربعينيّات من العمر، يَرْوِينَ فيها ذكريات طفولة مُؤلمة، واجَهْنَها في الشارع، أو مِن الجيران، أو العمّال، أو غيرهم. قصص مُؤلمة جدًّا أثَّرت في حياتهنّ كلّها. مِنها: محاولات تَحرُّش، ومحاولات اغتصاب. كلّها حوادث حصلت فعلًا لطِفْلات وأطفال، هُم الآن في الثلاثينيّات والأربعينيّات مِن العمر. بعضُهم/هُنَّ تَجاوَز الأمرَ بالنسيان، وبعضُهم/هُنَّ لم يستطِعْ تَجاوُزه؛ إذ لا يزال يَدقُّ باب الذاكرة كلّ حين، بكلّ ما يحملُه معه مِن أسًى.

حوادث طُويَت، وبقيَت آثارها جروحًا لا تندمل. وأمور لا يَعرف الأهل عنها في كثير مِن الأحيان. سمعْنا بها بعد سنوات طويلة، عبْر مجموعات مغلقة على “الفيسبوك” أو في جلسات للتعارف، تُلغي فكرة روعة الشارع القديم وملائكيّته تمامًا، بل إنّها تَسِمُ الكثير مِن الأهل بصفة الإهمال. فكيف نفترض أنّ كلّ الناس رائعون/ات وأصحّاء نفسيًّا، ونحن ندرك أنّ في العائلة الواحدة، الصالح والطالح؟! وما بالُك بالشارع، أو الحارة التي تحوي عشرات البيوت ومئات الأفراد، إضافة إلى المارّة العابرين/ات، والعمّال/العاملات، وغيرهم/هنّ؟!

إنْ تخَلّت الدولة عن مسؤوليّاتها عن إيجاد مرافق عامّة للأطفال، كالأندية والحدائق، فهذا ليس مُبرِّرًا للأهل كي يتخلّوا عن مسؤوليّاتهم؛ باعتبار أنَّ كلًّا مِن الأب والأم، هما المسؤولان الأوّلان عن أولادهما وبناتهما، حتّى وصولهم/هنَّ إلى سنّ الرُّشد.

الحلّ يبدأ أوَّلًا مِن البيت، ومِن الأسرة. وهو في الواقع قَبْل تأسيس الأسرة، وذلك بأنْ يَعرف كلُّ مُقْبل على الزواج أهمّيّةَ الخطوة، وأنْ يستعدَّ لها، ثمّ يُخطِّط بِناءً على ظروفه المادّيّة والمعنويّة. فيُحدِّد الزَّوجان عدد الأبناء الذين يُريدانِ إنجابهم، ليتناسب معَ قدرتهما على تَحمُّل العبء الاقتصاديّ أوّلًا، ثمّ عبء الرعاية والاهتمام والوقت. فإنْ وَجَدَ الأبوان أنّ العبء كبير، فلِمَ لا يكتفيان بطفل واحد فقط، أو طفلين، بما لا يقصم ظهرهما مادّيًّا ومعنويًّا؟!

قد يقول لنا بعضُهم/هنَّ: “أنت لا تَعرف ظروف الناس، فلا تَحكم عليهم”. نعم، نحن لا نَعرف ظروفهم، ولكنّهم أنفُسَهم يعرفونها جيّدًا. هم أدْرَى بها، وأجدرُ باتّخاذ قرارات تتناسب وحالَهم. لذا، على المجتمع واجب احترام الخصوصية التي تحتاج إليها الأُسَر، دون ضغط عليهم لاستعجال الإنجاب، أو زيادة عدد الأبناء.

نعم، الأسرة حُرّة قبل أنْ تأتيَ بطفل إلى هذه الدنيا. ولكنْ، بمجرّد ولادته(ها)، لن يكُون مُلكًا للأسرة وحدها، بل هو/هي ابن/بنت المجتمع كلّه. إنْ صَلَح، أفاد مجتمعه؛ وإنْ فسَدَ، فنتائج فساده(ها) لن يتحمّلَها الأهل فقط، بل المجتمع كاملًا. ولعلَّ الجريمة التي ارتكبها طفل في السابعة عشرة، في حقِّ ابنة جاره ذات الأربع سنوات قبل شهور، وهزّت الشارع الأردني، أكبرُ مثال على ذلك. فالطفل مسؤوليّة عظيمة، وتنشئةُ طفل صالح أمرٌ بالغ الصعوبة، يحتاج إلى صبرٍ لامُتناهٍ، وتعبٍ وجهد وسهر، ويحتاج إلى مراقبة تامّة حتّى سنٍّ مُعيّنة، ثُمّ إلى مراقبة جزئيّة بعد وصوله(ها) سنّ الرُّشد.

نعم أيّها الزوجان، أنتما تَملكان قرار الإنجاب مِن عدمه. ولكنْ، إذا ما أنجبْتما، لم يعُد أمامكما سوى خيار واحد: أَنْ تُربِّيَا، وتهتمَّا.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.