الرئيسية > رأي عام > مقالات > استدعاء سهل التُّستَري في زمن الكورونا
نايلا طبارة (لبنان)

استدعاء سهل التُّستَري في زمن الكورونا

الخميس ٢٠٢٠/٣/١٩م   |   ١٤٤١/٧/٢٥ هـ

في زمن الكورونا، ظهرَت بعض الأصوات، التي تدعو الناس إلى استثمار أوقات الحَجْر الصِّحِّي، للتأمُّل الداخلي. وفي هذا السِّياق، لا يسعني إلَّا أن أستحضر أحد أئمَّة التصوف الإسلامي من القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، ومؤلِّف أوَّل تفسير صُوفيّ للقرآن الكريم، وهو أبو محمد سَهْل بن عبد الله التُّستَريّ، الذي وُلد في مدينة تُستَر، ولكنه اضطُرَّ إلى مُغادرتها عام 263هـ/877م، بعد دخول الصَّفّاريِّين المدينة.

يقال إنَّ سبب خروجه من المدينة كان الغضب الشعبيّ تجاهه، لأنه -على إثر استيلاء الصَّفَّاريِّين عليها- دعا جميعَ سكَّانها إلى التوبة، مُعتبِرًا أنها فرضٌ يجب أن يُرافِقَ العبْدَ مع كلّ نَفَس. إضافةً إلى ذلك، قد يكُون مَوقفه من الكرامات (الأمور الخارقة للعادة الخاصة بالأولياء)، قد أشعَل غضب الناس تجاهه أيضًا؛ إذ كان لا يُعِيرها أيّة أهمية في الطريق الصُّوفيّ والخبرة الإيمانية، بل يَعتبرها صِبيانيَّة. مثالًا على ذلك: قال له عبد الرحمن بن أحمد يَومًا: “رُبَّما أتوَضَّأ للصلاة فيسيل الماء من يدي، فيَصير قُضبانَ ذهَبٍ وفضَّة”، أجابه سهل: “يا حبيبي، أمَا عَلِمتَ أنَّ الصِّبيان إذا بَكَوا، يُناوَلون خَشْخاشة حتّى يشتغلوا بها؟”. إذًا، موضوع الكرامات هو لتهدئة النفوس التي تحتاج إلى تطمين، وهي -أي الكرامات- بعيدة عن جوهر الإيمان. فمع أنه كان له شخصيًّا كرامات أمدَّه الله بها، إلَّا أنه كان لا يُعِيرها أيَّ أهمية، ويرَى أنَّ الإيمان ما هو إلَّا النُّور الداخلي الذي يُسْكِنه الله في القلوب، وأنَّ علامته هي بذْلُ الذات من أجل الآخرين، مهْما كانت سِيرتهم أو طائفتهم أو جنسيَّتهم.

في زمن الكورونا، وما يقارب أحيانًا حالة الهيستيريا الجماعية، أستَحضرُ هنا سهل التُّستَري وحكمته. فأفهَمُ دعوته إلى التوبة، كدعوةٍ إلى الرجوع إلى الذات، لإعادة العلاقة بأنفسنا، ولسماع ما يختلج فينا من مشاعر وأفكار وآمال وتطلُّعات.

في زمن الوباء -وبعد اتِّخاذ الحِيطة والحذر والتزام جميع ما يَصدر عن الجهات الطبية المختصة والجهات الرسمية للوقاية ودرء تَفشِّي المرض-، تَعالَوْا نَستفِدْ من هذا الوقت، الذي يُدْعَى فيه إلى تجنُّب التجمُّعات والاختلاط بالناس، للرجوع إلى كنه ذواتنا. إننا نعيش في عالَم نُصارع فيه الزمن في سرعته، ونتحرك فيه أكثر الوقت بعيدًا عن أنفسنا. فنركض إلى العمل، ثم إلى الالتزامات الاجتماعية، ثم إلى النادي الرياضي، ثم… ثم… ثم نستيقظ في اليوم الثاني ونُعِيد نفس الدَّوّامة. وتَمرُّ السنوات، ونجد أنفسنا قد أصبحنا غرباء عن ذاتنا، لا نفهمها لأننا لا نسمعها. نصبح كماكينة تتحرك وتركض ضِمن نظام روتيني وضعناه لأنفسنا، وضِمن تعريفٍ واحد لِمَن نحن، وما نحن. فننسى أنَّ هناك أنظمة مختلفة للحياة، وأننا نتخطى التعريف الواحد لذواتنا، إذ هناك عوالم متعددة داخل كلِّ فردٍ منّا. وهذه العوالم تدلُّ على عظمة الخالق، وما وضعه فينا من أفكار وأحاسيس وطريقة خاصة لقراءة الكون وما فيه. فلنستغلّ هذا الوقت للرجوع إلى الذات، ولإعادة التعرُّف إلى أنفسنا، ولإعادة العلاقات بعائلتنا وبمن نسكن معهم.

أيضًا أفهَمُ التوبة، على اعتبار أنَّها مُواجَهة خَوفنا من الموت. فالرجوع إلى الذات، يعني أيضًا الاتِّصال بأعمق شعور موجود عند الإنسان، وهو –إلى جانب الحُبِّ- الخوفُ من الموت. وتَطلُب منَّا العمليَّة الإيمانيَّة أن نكُون متحضِّرين/ات للموت في كل لحظة؛ إذ الأديان -وبشكلٍ خاصّ المسيحية والإسلام- تُذكِّرنا أنَّنا من تُراب وإلى التراب نَعُود، وأنَّ كلَّ نفْس ذائقة الموت، وأننا لِلَّه وإليه راجعون. وهذا هو مِعيار الإيمان، وليس التعلُّق بحرفيَّة الطقوس، ولا بالظَّواهر الخارقة.

كثير من الناس، تَولَّد عندهم في الآونة الأخيرة شُعورُ الخوف من الموت. أظُنُّ أنَّ مواجهة هذا الشعور يَحصل بالعودة إلى الذات، ومحاسبتها بشفافية، ومحاولة التجريد من التعلُّقات الزائفة. فالتحضُّر للموت في الخبرة الصوفية، هو العمل اليومي على تخفيف العلائق، أي كلّ الأمور التي تُثاقلنا إلى الأرض، مِن تَعلُّق بأمور ماديّة، إلى تَعلُّق بمَناصب، إلى تَعلُّق بصورتنا عند الآخرين. فيَحصل التحضُّر لفكرة الموت -لا لِلموت الفعلي-، من خلال التجرّد القلبي من تلك العلائق. وأقول: “التجرُّد القلبي”؛ إذ هو عملية داخلية. فليس المطلوبُ التخلِّي الفعليَّ عن الممتلكات أو المناصب، ولكن الجاهِزيّةَ للتخلي عنها. وحسب ما يُنسب إلى الإمام علي: “ليس الزهد ألَّا تَملك شيئًا، ولكن الزهد ألّا يَملكك شيء”. فيدعونا هذا الوقت إلى وقفة، لنرَى الأمور عن بُعد، ونتجرّد ونَزْهد معنويًّا، ونركِّز على أُمورٍ أهمَّ في الحياة.

مع صعوبة ما نمرُّ به في زمن هذا الوباء العالمي، فلنَعُدْ إلى أعماق أنفسنا، ولْنتجرّد من الحُجب التي تُبعدنا عن ذاتنا؛ علّنا نَخرج من هذه المحنة بصفاء أكبر، ومعنًى أعمق، لرسالتنا الإنسانية.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.