الرئيسية > رأي عام > مقالات > الأحكام المُسبقة: أحكام جائرة!
عمار الأشول (اليمن)

الأحكام المُسبقة: أحكام جائرة!

الإثنين ٢٠١٩/١١/٠٤م   |   ١٤٤١/٣/٧ هـ

في عاداتنا وتقاليدنا، وفي حكايات جدّاتنا، وعلى جدران المدارس، وفي “شخابيط” الشَّوارع العامَّة، وفي “أدب” الباصات والشَّاحنات، وفي الأمثال الشَّعبية، وفي المَوروث الشَّعبيِّ عمومًا، حتَّى في النّكات والخرافات؛ كثيرًا ما نجد الفرز والتَّصنيف على أُسس عنصريَّة، مِثل: الطَّائفة، أو الدِّيانة، أو المدينة، أو القبيلة، أو البَشَرة، أو الجنس البشريّ. فيجري من خلالها إصدار الكثير من الأحكام المُسبقة، الَّتي غالبًا ما تكُون جائرة.
على سبيل المثال لا الحصر: هناك مَثل شعبيّ يمَنيٌّ يقول: “اليهوديُّ يهوديٌّ ولو أَسْلم”. ويُقصد به في المعنى العامِّ، أنَّ اليهوديَّ حتَّى وإنْ أعلن إسلامه، يظلُّ يهوديًّا في عقيدته وفي طبيعته وتصرُّفاته. وعادةً ما يُطلق هذا المَثل على من يُبدّل موقفه، وليس على اليهود فحسب. لكنه في المجمل، قد حكَم على اليهود -كلّ اليهود- حُكمًا مُسبقًا.
أحكام أخرى تصنِّف المَرأة، وتنتقص من قيمتها. فيقال على سبيل المثال: “عقْل المَرَا من فوق الشّعر”، أي أنَّها ليست واعية، ولا تستطيع اتِّخاذ قرارات سليمة ووازنة. ويقال أيضًا: “وَلَد عاصي ولا عشر بنات طايعات”. أمّا المَثل العالميُّ، فيقول: “الشَّيطان أستاذ الرجل، وتلميذ المرأة”.
أيضًا هناك أحكام تقسّم المجتمع إلى طبقات، والنَّاسَ إلى أجناس. فيجري من خلالها تصنيف أصحاب المهن الحِرفيَّة، وفقًا لإطارات لفظيَّة معيّنة. أيضًا هناك الحُكم المُسبَق على ذوي البشْرة السوداء، وعلى الفقراء، حتَّى على أبناء الأغنياء. كلُّ ذلك يجري عبْر العديد من الوسائل، من بينها الأمثال الشعبيَّة، الَّتي تنعكس بِدَورها على الصُّوَر الذِّهنيَّة والنَّمطيَّة في المجتمع.
تتَّسم الأمثال -عمومًا- بالإيجاز والاختزال والكثافة والسَّبك اللُّغوي، ثم بأنّها تتمثّل بصُوَر متعدّدة وأشكال متنوِّعة من الإيقاعات البلاغيَّة، بما يجعلها سهلة على الحفظ، قابلة للتَّكرار والتَّداول، فضلًا عن أنَّها تكتسب قيمتها الرَّمزيَّة من كونها متوارَثة. فالأمثال ما هي إلَّا مِرآة تعكس جانبًا من عقليَّة المجتمع وتفكيره، والبيئة الاجتماعيَّة الَّتي انطلقت منها. لذلك، يَغلب عليها طابع التَّباين والازدواجيَّة. ففي حين تَقْضي الأمثالُ السَّابقة بأحكام جائرة على المَرأة، نجد أمثالًا أخرى تمدحها. لكنها -وإنْ وُجدت- تكُون نادرة ومحصورة في البُعد النَّفعيِّ للمَرأة، مِثل: “البيت المَرَا، والحَبّة الذّرة”، بمعنى أنّ البيت لا يكُون بيتًا متكاملًا إلَّا بوجود امرأة فيه.
بالانتقال إلى الحُكم المسبق، بِناءً على الفرز والتَّصنيف الدِّينيِّ أو المذهبيِّ؛ نجد أنَّ هناك مَن يَخلط بين اليهوديَّة والصّهيونيَّة التي نعاديها، وبين اليمين واليسار المسيحيَّيْن، وبين المسلم المعتدل والمسلم المتطرّف. أمَّا من حيث المكان، فلو يَستدرك من يرى في نفسه الإنسانَ الأصلح والبقيَّة جميعهم على ضَلال، أنّه(ها) -على الأغلب- لو وُلد في النَّجف الأشرف لكان الآن شِيعيًّا، ولو وُلد في نَجْد لكان وهّابيًّا، ولو وُلد في جبال صَعْدة لكان زيديًّا، ولو وُلد في تَعِزّ لكان شافعيًّا، ولو وُلد في مدينة رَيْدَة اليمنيَّة لكان يهوديًّا، ولو وُلد في روما لكان مسيحيًّا كاثوليكيًّا، ولو وُلد في جبال سنجار العراقيَّة لكان يزيديًّا. لذلك، فإنَّ تصنيف النَّاس بِناءً على خلفيَّاتهم الدِّينيَّة أو المذهبيَّة، يُعدُّ حُكمًا مسبقًا تَغْلب عليه النَّظرة الجائرة.
إنَّ الأحكام المسبقة تُحاصر صاحبَها في زاوية مغلَقة، لا يستطيع بسببها أن يميّز بين الانتماءات العامَّة والصِّفات الفرديَّة. فيصبح حبيسًا(ة) لمَثلٍ شعبيٍّ أو “حدُّوتة” قديمة أو نكتة ساخرة، ليصل في نهاية المطاف إلى عدم التَّعامل مع الآخر؛ لمجرّد اختلاف هويَّته الإيديولوجيَّة أو الجغرافيَّة أو الاجتماعيَّة… إلخ. ولا شكَّ، أنَّ التُّراث جزءٌ أصيل في الثَّقافة الشَّعبيَّة لأيِّ مجتمع، كما أنه ممتلئ بالحِكم الَّتي تُعتبر إرث الأجداد وخلاصة تجاربهم. ولكن، علينا التَّمييز بين الإيجابيِّ منه والسَّلبيّ. ولا ننسى أنَّه تَشكّل وتَمثّل بمجتمعات متباينة ومتناقضة، ومتحاربة في أحيان كثيرة.
عادةً ما تتوَالد الأحكام المُسبقة من الانطباعات الأوّليَّة، فيَنتِج منها تعميم الجزء على الكلِّ. لكن، علينا في المقابل، أن نتذكَّر أنَّ بعض هذه الأحكام قد تكون إيجابيَّة. وفي المجمل، فإنَّ جميع الأحكام المُسبقة غير منظّمة، ويبدو أنّه ليس بمقدور المرء مهْما بلغَت درجة عِلمه أو توسَّعَت ثقافته، أن يتخلّص منها. ولكن، في إمكاننا من خلال الفهم والإدراك أن نتحرَّر من أغلبها. ويتأتَّى ذلك من خلال القراءة النَّقديَّة، والسَّفر والانفتاح على الآخر، وتَعلُّم لغات أخرى واكتشاف ثقافات متنوِّعة؛ وذلك حتَّى نتمكَّن قبْل أيِّ شيء من اكتشاف ذواتنا، والتَّحليق بها في عوالم الوعي والمعرفة؛ لنصل في نهاية المطاف إلى الإيمان بالعيش معًا.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.