رشيد سعدي (المغرب)

الأديان والإيدز

الثلاثاء ٢٠١٩/١/٢٩م   |   ١٤٤٠/٥/٢٣ هـ

اِحتفل العالَم منذ بضعة أسابيع باليوم العالمي لمكافحة مرض نقص المناعة المكتسب “الإيدز”، في وقت يُعرف فيه تَفاقُمُ عدد المصابين به، وتَحوُّلُه إلى مأساة عالمية تخترق حدود الثقافات والأديان. إن الطابع الكوني للمرض وارتباطه بمجموع الإنسانية بطُرق عيشها وقِيَمها، هو ما يفسِّر أن الأديان مَعنيَّة به، ومطالَبة بأن تحدِّد موقفها الفكري منه، وأيضًا مدى التزامها المساهمة في الحدِّ من آثاره المدمِّرة.

أمام المعاناة والتشوُّه العميق اللَّذَين يُحْدثهما المرض، الذي ينتشر على نطاق واسع، خصوصًا ذلك الذي يرتبط بصفة مباشرة أو غير مباشرة بالعلاقات الجنسية؛ كان لا بد أن يتبادر إلى ذهن المؤمنين السؤال: “هل هو عقاب إلهي، أم مجرد مرض دنيوي؟”. لا شك أن فكرة كَون المرض عقابًا إلهيًّا، هي فكرة متجذِّرة في الكثير من الأديان، حيث يصبح المرض يتماهى مع الخطيئة. من هنا، نشأتْ فكرة “نجاسة” المريض، الذي يستحقُّ معاناته الدنيوية. من الناحية الاجتماعية، تؤدِّي نظريَّةٌ كهذه إلى تراجُع قيمة التعاطف تجاه المرضى، وتكريس عزلتهم ومنبوذيَّتهم.

لكن، وأنا أتصفَّح الكثير من آراء المواطنين المغاربة في الجرائد الإلكترونية، لاحظتُ أن التحليلات الدينية بشأن الدلالات والرمزية التي يجري ربط المرض بها، شهدَتْ تحوُّلًا إيجابيًّا، من خلال تراجُع نظرية العقاب الإلهي لمصلحةِ رؤيةٍ أكثر إنسانية؛ ما يعني قدرة الأديان على أن تلعب أدوارًا أكثر إيجابية.

لا شك أنه من واجب الأديان التزام وظيفتها الأخلاقية كما تراها، من خلال الإعلاء من قيمَتَي العفَّة والطهارة. لكن بعض الأديان أصبحت تنخرط في أشكال جديدة من العمل التضامني مع ضحايا المرض، بواسطة تنظيم حملات مشترَكة، للتعبير عن رفض التهميش والوصم ضد المرضى. وأصبح هذا البُعد الإنساني شكلًا متقدِّمًا من التعايش والحوار بين الأديان.

لكن، أعتقد أن التحول الأكثر عمقًا للأديان تجاه المرض، هو وعيها المتنامي بأن نظرية العقاب الإلهي تَفقد مشروعيّتها، عندما نَعلم أن السبب الرئيس لانتشار الإيدز هو الفقر. لذا، فإن الإحصائيات تشير إلى أن نسبة اثنَين من كلِّ ثلاثة مصابَين بالمرض في العالم، يعيشون في القارة الأفريقية. وفي حين تتراجع نِسَب الإصابة بالمرض في الدول المتقدمة، تتزايد في الدول النامية. لهذا، أصبحت الأديان قادرة على بناء مقاربات أكثر ارتباطًا بالواقع الإنساني، لا تُركِّز فقط على انهيار منظومة القيم، بل أيضًا على الفقر والجهل بصفتهما الشكل الإنساني الملموس للخطيئة. لذا، لم يَعُد المرض دليلًا على القدرة الإلهية، بقدر ما هو دليل على عجز للإنسانية عن أن تحقِّق إنسانيتها.

إنّ الإصابة بالمرض تبقى مأساة إنسانية، لا ترتبط بالضرورة بفعل الخطيئة؛ إذ إنّ عددًا كبيرًا من المصابِين هم من الأطفال، أو من النساء اللَّائي أُصبن بالمرض عبر أزواجهن. ويمنحنا الإسلام مفاهيم أكثر إيجابية من مفهوم العقاب الإلهي، كمفهوم “الابتلاء”. يقول الرسول: “إذا أحبَّ اللهُ قومًا ابتلاهم‏”. يعني هذا في حقيقة الأمر، قدرةَ الأديان على صنع الأمل عند المؤمن المريض، الذي لا ييأس من الرحمة الإلهية، امتثالًا لقوله تعالى: {قُلْ يا عبادِيَ الذين أسْرَفوا على أنفُسِهم لا تَقْنَطُوا من رحمة الله إنَّ الله يَغفِر الذنوب جميعًا إنه هو الغَفُور الرحيم}، أو لِقول المسيح في إنجيل متَّى: “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ”.

يبقى السؤال الفلسفي والديني مطروحًا: “هل يحبُّ اللهُ المرضَى ولو كانوا عصاة؟”. أعتقد أن الكثير من الأديان حقَّقَت ثورة إنسانية، عندما دافعَت عن فكرة أن المرض عندما يَحكم على المريض بالعزلة، قد يصبح منحة إلهية إنْ نحن استطعنا أن نفهم المغزى منه، وهو أن يعلِّمنا أنْ “نحبّ أولئك الذين لا يحبُّهم أحد”. لهذا، لا يجب أن يَفصلنا مرضُ الآخرين -ولو ارتكبوا الخطيئة- عن حبِّنا لهم، هذا الحب الذي قد يشكِّل جوهر الخلاص نفسه.

عندما نضع المرض في سياق الهشاشة الإنسانية عامة، يمكننا بناء عقيدة الأمل، الذي يسمح للبشر بأن يمنحوا معاناتهم مَعْنًى ويتحمَّلوها، عندما يَعلمون أن الخطيئة لا تبعدهم عن الله. يقول مولانا جلال الدين الرومي :”لم يكن أبدًا من شروط السير إلى الله أن تكُون في حالة طُهرٍ ملائكية، بل سِرْ إليه بأثقال طِينك، فهو يحبُّ قدومك إليهِ ولو حَبْوًا”. والله أعلم.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.