الرئيسية > رأي عام > مقالات > الأَضاحِيُّ البشريَّة والثَّورة الإبراهيميّة
عامر الحافي (الأردن)

الأَضاحِيُّ البشريَّة والثَّورة الإبراهيميّة

الثلاثاء ٢٠١٩/٨/١٣م   |   ١٤٤٠/١٢/١٢ هـ

اِنتشرَت طقوس التَّضحية بالأطفال، عند قدماء المصريِّين والسُّومريِّين والفينيقيِّين والكنعانيِّين والمؤابيِّين والإغريق، إضافةً إلى حضارات المايا والإنكا والأزتك والتشيمو. واستمرَّت هذه الطُّقوس في القارَّة الأميركيَّة، حتَّى بداية القرن السَّادس عشر. أيضًا نجد التَّضحية بالأطفال في الإلياذة اليونانيَّة، عندما طلبَت الآلهة أرتميس من المَلِك أجامِمْنُون أن يذبح ابنته إفيجينيا قربانًا لها، حتَّى تُمكِّنه من الانتصار على أعدائه. وبينما كان الملِك يحضِّر لذبح ابنته، قامت الآلهة باستبدالها بغزال!

اتَّجه الإنسان مبكرًا نحو القرابين والتَّقْدمات، بغْيَة استرضاء الآلهة ونيل ثوابها، واتِّقاء غضبها وعقابها. ونظرًا إلى خوف الإنسان ممَّا يتهدَّد حياته من كوارث وأعداء، فقد لجأ إلى التَّفكير في قرابين أكثر قيمة من القرابين الحيوانيَّة، للتَّضحية بها.

لقد عُثِر في مواقع فينيقيَّة وكنعانيَّة قديمة على آلاف الجِرَار تحوي بقايا أطفال أُحرقوا كأَضاحِيَّ للآلهة. وعلى الجِرار وجدوا كلمة “مولك” أو “ملك” أو “مولوخ”. وسواءٌ كانت تسمية “مولك” هي اسم للإله الذي تُقدَّم إليه القرابين، أو تسمية للأضحيَّة البشريَّة الَّتي تشمل عمليَّة حرق الأطفال؛ فإنَّنا أمام تشابُه كبير وصادم، بين هذه الكلمة وكلمة “إملاق”، الَّتي أشار إليها القرآن في الآية: {ولا تقتلوا أولادكم خشيةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء: 31]، وفي آية أخرى: {مِنْ إِمْلَاقٍ} [الأنعام: 151]. فالصَّادم هنا أنَّ كلمة “إملاق”، لم تُذْكر سِوَى مرَّتَين في القرآن، وكِلتاهما جاءت في سياق الحديث في “قتل الأطفال”. زِدْ على ذلك التَّقارب اللَّفظيِّ الكبير لأصل الكلمة (م ل ق)، مع (م ل ك)! فالمعنى أعمق من الفقر الَّذي ذهب إليه عموم المفسِّرين.

مثَّلت العودة من القرابين البشريَّة إلى القرابين والأضاحِيِّ الحيوانيَّة والنَّباتيَّة، نُقلةً كبيرة في الفكر الدِّينيّ. وتُجسِّد قصَّةُ إبراهيم ومنْع تضحيته بابنه البكر، ثورة في المفاهيم الدِّينيَّة القديمة، الَّتي لم تدرك كرامة النفس البشريَّة وحُرمتها. وذلك من أهمِّ الإصلاحات الَّتي قام بها إبراهيم للفكر الدِّينيِّ القديم، إلى جانب انتقاده العميق للمعتقدات السَّائدة: كتأليه الأصنام (سورة الأنبياء: 51-66)، وعبادة الأفلاك (سورة الأنعام: 76-79)، وتأليه المَلِك (سورة البقرة: 258).

أشار النصُّ التَّوراتيُّ إلى ممارسة تقديم الذَّبائح البشريَّة عند المؤابيِّين، عندما قدَّم ميشا ملك موآب ابنه البكر ذبيحة لإلهِ موآب، في محاولة منه لردِّ المحاصِرين له (الملوك الثاني 3: 27). وأيضًا على رغم نهْي التَّوراة عن حرق الأبناء والبنات (التَّثنية 18: 10)، قام بعض بني إسرائيل بتقديم أبنائهم كقرابين للآلهة، كما فعل آحَاز بن يُوثام ملك يَهُوذا (ملوك الثاني 16: 3).

ترِدُ إشارة في القرآن، تؤكِّد استمرار فكرة الأضاحِيِّ البشريَّة لدى بني إسرائيل: {وإذْ قالَ موسىٰ لقومهِ يا قومِ إنَّكُم ظلمتُمْ أنفسكُم باتِّخاذِكمُ العِجْلَ فتوبوا إلىٰ بارئكُم فاقتلُوا أنفسكمْ} [البقرة: 54]. وهذا يعني أنَّ التَّكفير عن الذُّنوب بقي يستدعي دمًا بشريًّا، حتَّى بعد مجيء موسى عليه السلام! ويشير القرآن إلى قتل الأطفال، في سياق نقده لمعتقدات العرب قبل الإسلام: {قدْ خسرَ الَّذينَ قتلُوا أولادهمْ سفهًا بغيْرِ علْمٍ} [الأنعام: 140]. فنَذْكر هنا القصَّة المشهورة والغريبة، الَّتي ترويها كُتب السِّيرة عن جدِّ النَّبيِّ عبد المطَّلب، الَّذي نذَرَ -إنْ رُزق عشرة من الوَلَد- أن يقدِّم أحد أولاده قربانًا للآلهة. والرِّواية هي إعادة تركيب لقصَّة نجاة إسماعيل، واستبدال الأضحيَّة البشريَّة بأخرى حيوانيَّة، وهي كَبْش في قصَّة إبراهيم، ومائة بعير في قصَّة عبد المطَّلب.

اِنتقدَت التَّوراة مبالغة بني إسرائيل في القرابين الحيوانيّة: “لماذَا لِي كثرَةُ ذبائحِكُمْ، يقولُ الرَّبُّ” (إِشَعْيَاء 1: 11). فالذَّبيحة العظمى الَّتي يريدها الله، هي روح منكسرة وقلْبٌ مسَلِّم له: “ذبائحُ اللهِ هيَ روحٌ مُنكسرَةٌ” (المزامير 51: 17). فالانتقال هو من القربان إلى التقوى، ومن الذَّبيحة إلى الرَّحمة: “إنِّي أُريدُ رحمَةً لا ذبيحَةً، ومعرفةَ اللهِ أكثرَ منْ محرَقَاتٍ” (هوشع 6: 6) (متى 9: 13)، أو كما يقول القرآن: {لَن ينالَ اللَّهَ لحومهَا ولا دماؤُها ولَكن ينالهُ التَّقوىٰ منكمْ} [الحجّ: 37].

إنّ الاحتفال بالتَّضحية الحيوانيَّة يمثِّل حدثًا دراميًّا، يستحضر النِّهاية السَّعيدة للمشهد الأخير من الدَّرس الإبراهيميِّ، الَّذي أعلن انتهاء طقوس “مولك”، وقتْل الأطفال من “إمْلاق”. ولكن السُّؤال يبقى هنا: “هل يبقى الإنسان يَنْزِع نحو العنف، ويهْوَى مشهد الدِّماء ويحتفي به؟ وهل تبقى الأضحيَّة الحيوانيَّة مَشهدًا مقدَّسًا أبديًّا، لا حاجة إلى التَّفكير فيه من زاوية إبراهيميَّة أخرى؟!”.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.