الرئيسية > رأي عام > مقالات > الاستبداد وأثره في صورة الله
مهند خورشيد (ألمانيا)

الاستبداد وأثره في صورة الله

الإثنين ٢٠٢٠/٩/٢١م   |   ١٤٤٢/٢/٤ هـ

تزامَن تغير مفهوم الخلافة في الوعي الديني، مع تغير آخر طال صورة الله وعلاقته بالإنسان، إذ انتقلت الخلافة من كونها مؤسسة لتنظيم الأمور الإدارية إلى مفهوم أيديولوجي، أضفى على الحاكم صورة ظل الله في الأرض وقدَره. ومن ثم، حين يطلب الخليفة لنفسه الطاعة المطلقة، مبرِّرًا ذلك بأنه ظل الله في الأرض وقدَره، فإن ذلك سينعكس على صورة الله، التي سيطغى عليها الجانب القهري. وهذا الأمر سيجعل علاقة هذا الإله بالإنسان أبعد ما تكون عن روح المحبة، التي يؤكدها القرآن: {يحبُّهم ويحبونه} [المائدة: ٥٤]، بل ستكون علاقة تطغى عليها روح استبدادية تريد قهر الإنسان، وسلبه كل معاني الحرية. وهي صورة الإله التي كرستها أيديولوجية الحاكم، وانعكست على الكتابات الدينية الرسمية.

يكتب الماوَردي في كتابه “نصيحة الملوك”، ما يراه تعبيرًا عن إرادة الله: “ثم فضل الله جل ذكره الملوك على طبقات البشر”. لذلك: “كان البشر مسخرين لهم وممتهَنين لخدمتهم”. أما هؤلاء الملوك، فمحلهم من الرعية: “محل السائس مما يسوسه من البهائم والدواب الناقصة الحال، من القيام بأمور أنفسها”. فمن حق الملك إذن أن يتصرف في مملكته، كما يتصرف الله في مملكته. أما عن صورة الإله، فيكتب أبو حامد الغزالي في “إلجام العوام عن علم الكلام”، وغيرها من مؤلفاته: “وأنت لا تفهم الحضرة الإلهية إلا بالتمثيل إلى الحضرة السلطانية”. فصورة الله في السماء هي انعكاس لصورة السلطان على الأرض، والغزالي يتحدث هنا بذلك السلطان الذي يتصرف في مملكته كيفما شاء. لذا، لا عجب أن نجد الغزالي نفسه، اعتقد أن الله لو شاء معاقبة جميع المؤمنين، فإن هذا: “لا يناقض صفة من صفات الإلهية”، ومن بينها صفة العدل وصفة الرحمة. ويبرر هذا بأن لله الحق أن يتصرف بعبيده ومماليكه كيفما شاء، كما أن للسلطان التصرف في الناس كما شاء.

هنا تتضح العلاقة الوثيقة بين البُنْيتَين السياسية والدينية، اللتين تبلوَرتا مع بداية الحكم الأموي، لتترسخ في الوعي الديني الجمعي مع الحكم العباسي لاحقًا. والمشترَك بين البُنيتَين أن الإنسان مسلوب الإرادة، لا يمتلك حرية تقرير مصيره بيده، بل هو مجرد كائن سلبي تحكمه علاقة الخضوع المطلق لسيده، سواءٌ في السماء كان هذا السيد أو في الأرض.

أما التيارات التي نادت بحرية الإنسان، فكانت بدايات تَبلوُرها بوازع سياسي، على شكل معارضة وقفت في وجه السلطة الأموية، التي بررت سيادتها بالقدر الإلهي. لكن، سرعان ما جرت ملاحقة أتباع هذه التيارات، التي وصفها أعداؤها بصفات أُريدَ من خلالها ذمهم. فأُطلقت لفظة القدرية على أولئك الذين تبنَّوا مقولة حرية الإنسان، بغية تشويه صورتهم، وإلصاق تهمة “عدم اعترافهم بالقدرة الإلهية” بهم، إذ إن مقولة حرية الإنسان تجعل القدر هو الذي يكتب التاريخ ويوجهه، وليس الله. فقُتل أوائل من نادى بالحرية من أمثال معبد الجهني وغيلان بن مسلم الدمشقي، بعد اتهامهما بالزندقة، ثم تلا أولئك المعتزلة، حيث تبنوا مقولة الحرية، واتُّهموا أيضًا بالفسق وأحيانًا بالكفر.

مع أن المعتزلة أنفسهم نادوا بالحرية، فإنهم سرعان ما تحولوا إلى أيديولوجية قامعة للرأي المخالف، فور تبني الخليفة المأمون لمذهبهم (ت ٨٣٣م)؛ حيث جعل من الاعتزال مذهب الدولة الرسمي، وألحق العقوبة بكل من خالفه. فوقع ما عُرف بالمحنة، وذلك باسم العقل والحرية اللذَين نادت بهما المعتزلة؛ ما يشير إلى أن البُنية الفكرية الاستبدادية، كانت قد ترسخت مع بداية الحكم العباسي.

لم يدُم المذهب المعتزلي طويلًا، حيث ألغاه الخليفة المتوكل (ت ٨٦١م). فكان الانتصار للمذاهب قرارًا سياسيًّا أكثر منه دينيًّا، وإن كان الدين دومًا يجري توظيفه بوصفه تبريرًا يستند إليه الحكام. والأمر سيان بالنسبة إلى المذهب الأشعري، الذي شاع إبان الخلافة العباسية، منتصرًا لإرادة الله على حساب إرادة الإنسان، الذي تحكمه علاقة الطاعة والخضوع للحاكم في السماء كما في الأرض. وهو ما سيجري التطرق إليه في مناسبات قادمة.

ما أريد أن أخلص إليه هنا، هو أن توظيف الدين من أجل تبرير السلطة -سواء السياسية أو الاجتماعية-، يقترن بانتشار صورة لإله تَغلب عليها روح القهر وسلب الإنسان حريته، لتجعله مجرد الخاضع المستسلم. وفرضيتي التي أريد أن أتناولها في المقالة القادمة، تنطلق من ضرورة إعادة التفكر في صورة الإله الذي يؤمن به المسلمون، وعلاقتهم به. وأختم هذه المقالة بتشخيص ليس بالمتفائل من كتاب “الدين والفكر في فخ الاستبداد” للرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي، الذي حاول تكريس خطاب إصلاحي في بلاده: “برغم جميع التباينات التي من الممكن أن تكون بين الحكومات وبين النظم السياسية في سائر الأمصار الإسلامية في مراحلها المختلفة، فإن هناك عاملًا مشتركًا واحدًا في الأزمان والأماكن المختلفة، وهو عامل الاستبداد وارتكاز السلطات السياسية على القوة والتزوير. بعبارة أخرى، إن روح السياسة وملامحها تنحصر في الفرد الحاكم، وفي أنه لم يسد طوال هذه الأزمان سوى القهر”.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.