الرئيسية > رأي عام > مقالات > الانتفاضات العربيَّة: ثورة ضدّ سياسات الاحتقار
رشيد سعدي (المغرب)

الانتفاضات العربيَّة: ثورة ضدّ سياسات الاحتقار

الثلاثاء ٢٠١٩/١١/٠٥م   |   ١٤٤١/٣/٨ هـ

دخل العالم العربيُّ منذ عدَّة أشهر في ديناميَّات احتجاجيَّة جديدة، حيث شهد العديد من الدُّول انتفاضات شعبيَّة لا يزال بعضها مستمرًّا إلى اليوم، وجرت مواجهة بعضها بعنف دمويٍّ خلَّف العشرات من القتلى.

اِعتَبر بعض الباحثين أنّ هذه الاحتجاجات المتزامنة مَوجة ثانية من الرَّبيع العربيِّ، وردَّ فِعل على الثَّورات المضادَّة الَّتي حاولت ولا تزال إعادة إنتاج الأنظمة المتهمة الفاسدة، وأيضًا تعكس شعور الإحباط من غياب الحقوق الاجتماعيَّة أو الحقوق السِّياسيَّة. لذا، فإنَّ العامل المشترك بين أغلب هذه الانتفاضات، هو كَونها احتجاجًا ضدّ تغيِيب العدالة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، وضدَّ الفساد السِّياسيّ الَّذي أدَّى إلى انهيار ثقة الشُّعوب بالأنظمة.

لم تتوجَّه هذه الاحتجاجات ضدّ حكومة أو نخبة سياسيَّة محدودة، بل ضدّ أنظمة الحكم وبُناها السِّياسيَّة، أي ضدّ الدَّولة العميقة الَّتي تَعُوق تقدُّم هذه المجتمعات منذ عقود، وتحُول دون نشأة دولة وطنيَّة ومُواطَنِيَّة حقيقيّة. الكثير من الشِّعارات تَرجمت هذا التَّوجُّه نحو التَّغيير الجذريّ، مِثل: “يَسقط كلُّ العسكر”، “يتنحاو قاع” (يسقطون جميعهم)، “ينقلعوا كلهم”. فأظهرت هذه الانتفاضات أيضًا الحاجة إلى مقاربات تفسيريَّة جديدة لنموذج انتفاضيٍّ جديد، حيث غابت التَّنظيمات والقيادات السِّياسيَّة عن تدبير الاحتجاجات العفويَّة، الَّتي استطاعت ابتداع مناهج جديدة من الاحتجاج السِّلميّ، رغم العنف الَّذي جوبهت به.

إنْ كانت هذه الاحتجاجات قد استطاعت أن توحِّد الشُّعوب، فذلك بفضل تراجُع الإسناد الإيديولوجيِّ أو الهُويَّاتيّ (مرجِعيّات سياسيَّة أو إثنيّة أو طائفيّة). وقد يرى بعضهم أنّ ذلك قد يفسِّر هشاشتها وافتقارها إلى قواعد شعبيَّة واضحة الحدود والمعالم؛ ما يجعل منها حركات اجتماعيَّة محدودة وعابرة، يجمعها الحماس الذي سرعان ما ستنطفئ جذْوَته. لكن، هذا التَّفسير كشَف عن محدوديَّته. فقد أظهرَت الاحتجاجات قدرتها التَّغييريَّة في العديد من البلدان، بل وأيضًا قدرتها على صناعة علاقات تعاقديَّة جديدة، تَحلُّ مَحلَّ العلاقات العُصبَويّة الَّتي تفترضها الجماعة المذهبيَّة أو الإثنيَّة.

نتساءل: ما الدّلالة التَّاريخيَّة العميقة لهذه الروح الانتفاضيَّة الجديدة؟

قد لا تكُون الصُّورة قد اكتملت بعد، لكنَّ مرحلةً جديدة يجري بناؤها برأيي في التَّاريخ السِّياسيّ لتُحرِّر الإنسان العربيَّ، ولتبدأ عمليَّة استرجاعه لفعَّاليّته التَّاريخيَّة. يمكن فهم ما يجري، كدخول في مرحلة النِّضال من أجل الاعتراف، ورفض ما يسمِّيه أكسيل هونيث “مؤسَّسات الاحتقار” والازدراء، حيث يتحوَّل المواطنون بسبب هدر حقوقهم الاجتماعيّة والاقتصاديَّة والسِّياسيَّة، إلى جيل جديد من العبيد، في خدمة مؤسَّسات تشتغل بمنطق الطَّائفة أو الجماعة المغلَقة، وتَسلبهم إنسانيَّتهم.

اِستطاع هذا الجيل الجديد من الاحتجاجات، أن يتجاوز الاصطفافات الطَّائفية الَّتي دمَّرَت النَّسيج الاجتماعيَّ للعديد من الدُّول. لذا، فإنَّ أهمَّ ما تُعلِّمنا إيّاه، هو الوعي بضرورة الانتقال من دولة ما قبل الحداثة إلى دولة التَّعاقد المدنيِّ، الَّتي ترفض الاستناد إلى منطق الطَّائفيَّة أو القَبليَّة أو القرابات، وهو النَّمط السِّياسيُّ المهيمِن في أغلب الدُّول العربيَّة. كلُّ هذه الانتظامات السُّلطويَّة تتحالف مع شبكات المصالح الشَّخصيَّة، لخَلْق نظام من الولاءات الَّتي تمنح الفساد شرعيَّته، وتدمِّر إمكانيَّة بناء شروط المواطَنة الحقَّة، وأوَّلُها العدالة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة.

لمَّا كانت مسألة العدالة الاجتماعيَّة والسِّياسيَّة مسألة إنسانيَّة أساسيَّة، مَدارُها الإنسان المكرَّم الَّذي هو جوهر الرِّسالات جميعًا، فإنِّي أعتقد أنَّ المؤسَّسات الدِّينيَّة لا يمكن أن تبقى في وضع الحياد. فهي مطالَبة بأن تُنجِز نسختها من “لاهوت التَّحرير”، من خلال الانحياز الأخلاقيِّ إلى مصلحة الطَّبقات الاجتماعيَّة الهشَّة، وضدَّ تفقير المجتمعات، لأنَّ الفقر قد يكون أبشع خطايانا.

يجب أن نعي أيضًا، أنَّه يجب ألَّا نُحْدِث انفصالًا بين الوضع الاجتماعيِّ لشعوبنا ومنظوماتنا اللَّاهوتيّة. فأنا أعتقد أنَّ خلاصنا الأرضيَّ لن يتحقَّق بواسطة تدخلٌ سماويّ، بل من خلال نضالاتنا التَّاريخيَّة، ضدَّ أنظمة اقتصاديَّة واجتماعيَّة تستعبدنا وتحتقرنا. لذا، نحتاج إلى لاهوت سياسيٍّ حول الفهم الدِّينيّ للخير العامّ، يؤكِّد أنَّ العدالة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة هي الهدف “الأخلاقيّ” الرَّئيس للدَّولة.

من هنا، ضرورة تبنِّي العالم العربيّ لنماذج جديدة من العدالة والإنصاف الاجتماعيّ، من خلال توزيع عادل للثَّروات، والمساواة في المواطَنة، ونبذ الولاءات التَّقليديَّة الَّتي تُعْلي من شأن القَبليَّة بالمعنى العامّ، على حساب الإنسان.

لذا، أقول: إنَّ التَّاريخ الَّذي تصنعه هذه الشُّعوب الآن، يوحي بأنَّ الطَّريق نحو دولة الإنسان في العالم العربيِّ، قد بدأت تتحدَّد معالمها.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.