أحمد ناجي (اليمن)

البقاء للأضعف

الأربعاء ٢٠١٩/٣/١٣م   |   ١٤٤٠/٧/٧ هـ

تُقرِّر السلحفاة البطيئة خوض سباق مع الأرنب السريع. تبدو القصة مثيرة للسخريَّة، ليس من وجهة نظر الأرنب فحسب، بل من وجهة نظر مُتابعي المشهد أيضًا؛ ذلك أن السرعة لدى الأرنب هي أعلى نقطة قوة، بينما بطء السلحفاة هي نقطة ضعفها الأبرز. تقول الأسطورة: إن الأسرع خَلد إلى الراحة، في حين كان الأبطأ يزحف بمشقة في طريق المحاولة. ربَّما كان ذلك دافعًا للأرنب إلى أن يَغرق في النوم حينًا، وأن يستعرض مهاراته مُتبخترًا أمام منافسه في أحيان أخرى. لكن ذلك لم يدفع السلحفاة إلى الالتفات، لأنّ عُنقها الصلب أضعف من أن يمنحها فرصة مشاهدة مهارات المنافس.

ماذا إن توقفت القصة هنا، ووُضع في سطر النهاية أن أرنبًا سبَق سلحفاة؟ سيبدو الأمر بديهيًّا ومنطقيًّا. فالمقدمات الافتراضية، جميعها تقول إن ذلك ما سيحدث كنهاية لسباق كهذا. ثم ماذا إن قرر المتسابق الأضعف البقاءَ عند خط البداية، وقال لخصمه: “اذهب حيث شئت، فقدَري البقاء في القوقعة”؟ لن يُلام. لكنْ، لن يكون للرُّواة أيُّ دافع إلى تدوين قصة كهذه، فهي لا تَحمل ما يستحقُّ الرِّواية. أمّا الأكثر بداهة، فهو أن تتوقف السلحفاة في المراحل الأولى للماراثون غير المتكافئ، بعد أن ترى حجم الفارق الكبير بينها وبين المتسابق الذي في الجوار. فمسافة المائة متر التي تقطعها في ساعة، يقطعها خصمها في ثوانٍ. ذلك سبب منطقي يجعلها تتوقف عن المحاولة، أو حتى عن التفكير في القيام بمجازفة كهذه.

هناك حقائق أخفتها القصة، ربّما تبدو هامشيّة، لكنها مهمّة لتفسير ما حدث. تُرى هل كان لدى الأرنب إدراك، أن سرعته كانت نتيجة مهارة لم يتعب في تحصيلها، في حين قد تكون السلحفاة استغرقت وقتًا طويلًا حتى تبني جدار الصبر ببطء؟ وقبل ذلك، ماذا لو علمنا أن الجمهور كانوا يضعون حواجز إضافية للسلحفاة في درب السباق، ويَسْخرون من الأتربة العالقة في صفائحها، أو يُطلقون الغاز المسيّل للدموع عليها، فتُضطرّ إلى التوقف والانكفاء إلى الداخل ريثما ينقضي الغاز، كي تواصل بعده الزحف في المسار الصعب؟ ماذا إن عرفنا أيضًا أن الجمهور كانوا في المقابل يصفِّقون لقفزات الأرنب، ويقيمون حفلات الاحتفاء بتفوُّق العِرق الأرنبيّ؟

ربما كان صخب أصوات الاحتفاء بالأرنب دافعًا لشخصية كـ”تشارلز داروين”، كي يُطلق نظريته الشهيرة “البقاء للأقوى”. فقد التقط لحظة المشهد الأول، ثم عاد للمنزل ليكتب تلك النظرية، مفسِّرًا مشاهداته. ولو أنه انتظر ريثما ينتهي السباق، ليَعرف ماذا حل في ذلك المضمار، لَربّما كان له رأي آخر. لقد كانت الرواية مَصيدة الدروب التي نُصبتْ لتشارلز ورفاقه، الذين اكتفوا برؤية المشهد المجتزَأ من القصة، لتتعاقب الأجيال بعد ذلك مردِّدة نظريته، دون إدراك أن ذلك الحُكم أُطلق في المنتصف؛ إذْ ثَمّة نهاية مختلفة لا يمكن تجاهُلها. فحْوَاها ندمُ صاحب السرعة القوية، وفرحُ رمز المثابرة.

في مضمار الواقع الذي نعيشه، لا يوجد بدايات متساوية، أو شرطُ سباق يَفرض لياقة عادلة لجميع العابرين، قُبيل رحلة الانطلاق. هناك الكثير من العوائق والحواجز التي تُواجِه المجتمعات. فالحروب والصراعات والموت وأشباهه، أبرز مظاهرها. ويتساءل إنسان هذه المجتمعات: “هل يجب أن أتوقف عند إشارات الموت الخادعة؟ أم هل أُواصل السير وسط أشواك الطريق ووهن الأقدام، وغياب أصوات من الأرجاء تقول على الأقلِّ عبارة: “استمِرّ، فالنهاية أن تتوقف عن المسير”؟”. فبَين الغرق في وحل الإحباط وشقاء المسافة، تتدفق الأسئلة أمام ذلك الإنسان، كعقبات تؤخِّره أو تُوقفه.

بالعودة للسلحفاة، نرى أن الضعف كان دافعًا لها، في حين وَهْم القوة كان سبب شقاء لمنافسها. لا تبدو الأشياء في النهاية كما نراها في البداية؛ إذْ تختلف بحسب استعمال السائرين، ومدى تدبيرهم للمُتاح من أمرهم. ليس هذا تمجيدًا للضعف، بل مُلاحَظةً لِوجه القوة فيه. فالنهايات المشرقة، ليس شرطها بداية مشرقة أيضًا، بل العكس تمامًا هو ما قد يحدث في نهاية المطاف.

لكن، ماذا لو اكتشفنا أيضًا أن فكرة السباق كانت وهمًا، وأن السلحفاة قررت السير في ذلك الدرب بغية الوصول إلى مكان أفضل، ولم تكن مَكسُوّة بفكرة الصراع، وأنها عند الوصول احتفلت بإنجاز الالتزام والمثابرة، وليس بالغلبة على الخصم، أو الفرح بانكساره؟ ذلك يجعل الفكرة مختلفة كلِّيًّا. لكنْ، في كلِّ الأحوال ثمّة أمرٌ مُهمّ لا بد من إدراكه، وهو أن السلحفاة ما كان لها أن تصل، لو لم تُخرج رأسها من القوقعة.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.