الرئيسية > رأي عام > مقالات > التنمُّر المَدرسيّ والروح المعطوبة
وجدان بو عبدالله (تونس)

التنمُّر المَدرسيّ والروح المعطوبة

الثلاثاء ٢٠١٨/١٢/٠٤م   |   ١٤٤٠/٣/٢٦ هـ

شعرتُ بالضيق والحَنَق، وأنا أشاهد الأسبوع الماضي مقطَعَين مصوَّرَين لعمليَّتَي تنمُّر مدرسي: الأول لِطالب سوري لاجئ في بريطانيا مع زملائه في المدرسة، والثاني لأخته مع رفيقاتها في حادث منفصل مشابه. في الفيديو الأول، شاهدنا الفتى وهو يُهاجَم من قبل زميل له. فيُطرح أرضًا ويُخنق، ثم يُسكب على وجهه الماء. بعدها، يقف الطفل ويمضي، وهو يحاول تثبيت محفظته على ظهره. وفي الفيديو الثاني، يجري الهجوم على أخته من قبل زميلتها، وتطرحها أرضًا. فكيف تعاملت الأسرة مع الحادثين؟ هل ينام طفلاها بشكل طبيعي؟ هل انطَوَيا على نفسيهما؟ هل قاطعا المدرسة؟ هل يفكران في الانتحار؟

التنمر المدرسي سلوك عنيف. هو للترهيب أقرب، وهو شكل من البلطجة، لكن على يد أطفال. المخيف أنها ما عادت ظاهرة، بل أصبحت شائعة في أنحاء العالم الفقيرة والغنية. يُعرِّف دان ألويس (أول من أسَّس للأبحاث حول التنمر في المدارس) التنمرَ المدرسي، بأنه أفعال سلبية متكررة، يتعمد القيام بها تلميذ أو تلاميذ، لإلحاق الأذى بتلميذ آخر، تشمل: التهديد والتوبيخ، والشتم والضرب، وفرض سلطة طرف على آخر. ويُعرِّف علم النفس التنمر بأنه سلوك عدواني متكرر، يهدف إلى الإضرار بشخص آخر عمدًا، جسديًّا أو نفسيًّا، واكتساب السلطة على حساب شخص آخر. ويمكن أن تتضمن التصرفات التي تُعَدُّ تنمُّرًا: التنابز بالألقاب، أو الإساءات اللفظية أو المكتوبة، أو الإقصاء المتعمَّد.

الدراسات تثبت أن ضحايا التنمر يعانون عدَّةَ أزمات نفسية تلي حوادث التنمر؛ ما يجعل عددًا كبيرًا منهم يتغيَّبون عن المدرسة، على الأقل مرة في الأسبوع، لأنها أصبحت مرادفًا للمكان غير الآمن لهم. ويصاحب الخوفَ من الذهاب إلى المدرسة، أعراضُ الكآبة والرغبة في الانتحار. وهذا ما جعلني أعود إلى الشريط المصور، حيث ذلك الطفل السوري يسقط ويتحمَّل الإهانة، ثم ينهض ليسير وحده، وخلفه تتعالى ضحكات الأطفال. مضى ذلك الطفل بروحه المعطوبة، متحمِّلًا الإهانة في صمت، وكأنه يشعر بأنه ضعيف أمام مجموعة، وغريب لأنه لاجئ ابن لاجئ. هذه التوليفة تصنع هشاشة لم تستطع مقاومة التنمر، ولم تستطع حتى أن تردَّ الفعل. فكيف تَكبر تلك الأرواح المعطوبة؟

تقول دراسة نُشرت عام 2018: إن 180 مليون طفل تعرَّضوا للتنمر المدرسي في العالم. ولا يرتبط التنمر بجهةٍ جغرافية ما من العالم، ولا بفئة اجتماعية بعينها. لكن، في حالة الطفل السوري، نحن أمام فئة هشَّة: “اللاجئون”، أو فئة مستضعفة، تبحث عن الاندماج ولا تريد المشاكل. هي غريبة عن البيئة التي وجدت فيها نفسها -رغمًا عنها- تعيش فيها.

الأطفال اللاجئون ضحايا التنمر يتأثرون أكثر من غيرهم بالتنمر المدرسي، من حيث قابلية التعلم التي تتراجع، والقدرة على التأقلم التي تصبح أصعب، والثقة بالنفس وبالآخرين التي تهتز. واللافت أن ينتبه المتنمر لهذه العناصر، ويستغلها بخبث لممارسة البلطجة. واللافت أيضًا محاولة التستُّر على المتنمر بدعوى أنه “طفل”، سواء من قِبل بعض المدرِّسين أو إدارة المدرسة، أو الأولياء الساعين إلى حماية أطفالهم. وفي حالة الطفل السوري، كانت هناك ردود فعل عنيفة على المتنمر، حيث جرى إمطار صفحته في فيسبوك بالشتائم والتهديدات.

في لبنان يتعرَّض ربع التلاميذ للتنمر المدرسي، وترتفع النسبة في صفوف اللاجئين السوريين إلى الثُّلث. وفي إيطاليا صرَّح 46% من ضحايا التنمر المدرسي بأنهم فكَّروا في الانتحار، وعانى 75% منهم الاكتئاب. نحن أمام عوارض تفُوق قدرة الأطفال على التحمل، وتكسر أرواحهم في سنٍّ حرجة مَفصِليّة بين الطفولة والشباب. وفي دول متقدمة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، تسجِّل المدارس الخاصة بالأثرياء أعلى حالات التنمر، وكأنَّ الثراء والحظوة مرادفان لخلق العنف تجاه الآخرين، المنتمين إلى الفئة الثرية ذاتها. كذلك السويد والنرويج وفنلندا، تَعرف معدّلات تنمُّر مَدرسيّ كبيرة، حتى مع وجود البرامج التربوية المتقدمة، التي تتفوَّق على ما هو رائج في دول العالم المتقدم.

هل الأسرة هي السبب في تعليم التنمر لأطفالها؟ وهل انتشار العنف في الحياة اليومية، وتَعوُّد الطفل رؤيتَهُ، هما السبب في تعليمه التنمر، أم أنّ الإدمان على ألعاب الفيديو العنيفة، يخلق في نفس الطفل جنوحًا نحو العدوانية؟  لكن، كيف نعالج تلك الروح المعطوبة في جسد يافع؟

أسئلة أطرحها، وأنا أراقب انتشارًا مفزعًا للتنمر من الكبار والصغار، بشكل يُنهي ما يسمَّى “اللطف الاجتماعي”.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.