الرئيسية > رأي عام > مقالات > التَّفكير الإعجازيُّ وأزماتنا الحضاريَّة
عامر الحافي (الأردن)

التَّفكير الإعجازيُّ وأزماتنا الحضاريَّة

الثلاثاء ٢٠١٩/١٠/٠٨م   |   ١٤٤١/٢/٩ هـ

الشَّغف بالخوارق يمثِّل سمةً بارزة لكثير من أتباع الأديان، وما يزال هذا الشَّغف حاضرًا حتَّى عصرنا الرَّاهن، الَّذي بلغَت فيه المعرفة أَوْج قوَّتها. وهذا يؤكِّد لنا أهمِّيَّة دراسة الأبعاد المختلفة لموضوع الخوارق والمعجزات، ومنها البُعد النَّفسيُّ، حيث شعورُ الإنسان بحاجة عميقة إلى قوَّة، تتجاوز قوانين الطَّبيعة وسُننها.
يقوم الكون من حولنا على نظام بديع مُحْكم له قوانينه الثَّابتة، وهذا يعكس قدرة الصَّانع الحكيم. ووَفْق النَّظرة الإعجازيَّة، فإنَّ المعجزات هي الشَّكل الأمثل الَّذي يحقِّق انتصار المؤمنين/ات على المشكِّكين/ات في العقائد والنُّبوَّات. ويرى المؤيِّدون/ات للمعجزة أنَّها تعبير عن قدرة الخالق. فمَن أوجد القانون، فهو وحده القادر على تعطيله وخرقه، ومَن يرفض المعجزة، يشكِّك عندهم في قدرة الخالق، وينتهي به القول إلى أزليَّة العالم وتأليه الطَّبيعة.
المشكلة الكبرى في موضوع المعجزة، ليست في جانبها الإلهيِّ؛ وإنَّما في جانبها البشريِّ، حيث يصبح تسويغ التَّناقضات أمرًا مقبولًا، بل وممجَّدًا. وكما ينتقد العقلاء/العاقلات أيَّ تناقُض في آيات التَّنزيل في كتاب الله “المقروء”، فإنَّ عليهم أن يرفضوا تناقُض قوانين الطَّبيعة أو اختلالها في كتاب الله “المنظور”، الَّذي أبدع الله صُنْعه: {الَّذي خلق سبع سماواتٍ طبَاقًا مَا ترىٰ في خلقِ الرَّحمَٰنِ من تفَاوُتٍ فارجِعِ البَصَرَ هل تَرَىٰ مِن فُطُورٍ} [المُلك: 3].
إنَّ معرفة الله عن طريق الخوارق، هي معرفة أقرب إلى التَّفكير الأُسطوريِّ، الَّذي تنفعل فيه المُخيِّلة البشريَّة. واستمرار هذا التَّفكير، يجعل كثيرًا من النَّاس يفتقدون القواعد المعياريَّة في الحكم. فتراهم يصدِّقون ما يُروى في تراثهم من الخوارق، ويَرون فيها دليلًا على صدق معتقداتهم، ولكنَّهم وفي الوقت ذاته، يرفضون ما يُروى عن غيرهم من الخوارق، ويَرون فيها دليلًا على سخافة عقولهم. يقول ابن الجوزيِّ رحمه الله: “ما أحسن قول القائل: كلّ حديث رأيتُه تُخالفه العقول وتُناقضه الأصول، فأعلَمُ أنه موضوع”. ومن أمثلة ذلك رواية ردّ الشَّمس ورجوعها إلى عليِّ بن أبي طالب في كتب الشِّيعة، أو حديث سجود الشَّمس تحت العرش في كتب السُّنَّة! وذلك رغم مخالفة كلٍّ منهما لقوله تعالى: {لَا الشَّمسُ ينبغِي لها أَن تُدرِكَ القَمَرَ ولَا اللَّيلُ سابِقُ النَّهارِ وكُلٌّ في فلَكٍ يَسبَحُونَ} [يس: 40].
أكَّد القرآن على توقُّف الآيات “الكونيَّة”، نتيجةً لعدم جدوى تلك الآيات في الأمم السَّابقة: {ومَا منَعَنَا أَن نُّرسِلَ بِالآيَاتِ إِلَّا أَن كذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ} [الإسراء: 59]. وتعبير “الآيات”، أعمق دلالة من مصطلح “المعجزات” الَّذي استعمله المتكلِّمون. فالآيات هي علامات وإشارات تَحْفِز العقل على التَّفكير، وليست خوارق تكسر منطق العقول وسُنن التَّكوين. والمعرفة الَّتي تتأتَّى عن طريق المعجزة، هي معرفة عشوائيَّة لا تُنتج معرفة، ولا تتَّسق والمنهجَ العلميَّ. والمعجزة الكبرى تتجلَّى في قدرة الإنسان على معرفة السُّنن الكونيَّة، والاستدلال بعظيم الصَّنعة على عظمة الصَّانع. فالعقل البشريُّ قادر على الاهتداء إلى الله، دون خوارق ولا معجزات.
لم تكن الآيات الكونيَّة بسؤال من المؤمنين؛ وإنَّما كانت بطلب من المعاندين والمشكِّكين: {وقَالُوا لَن نُّؤْمنَ لكَ حتَّىٰ تفجُرَ لنَا منَ الأَرضِ ينبُوعًا، أَو تكُونَ لكَ جنَّةٌ مِن نخِيلٍ وعنَبٍ فتُفجّرَ الأنهَارَ خلَالَهَا تَفجيرًا} [الإسراء: 90-91]. وفي السِّياق ذاته، سأل قوم من الكَتَبة والفَرِّيسيِّين المسيح: “يا معلِّم، نريد أن نَرى منك آيةً”. فَأَجابَ وَقَالَ لَهُمْ: «جِيلٌ شرّيرٌ وفاسِقٌ يطلُبُ آيَةً…” (متى 12: 38-39). وانتقد بولس بحث اليهود عن “آية”، فقال: “لأنَّ اليهُود يسألون آيةً، واليونانِيِّين يطلُبون حِكمة” (رسالة كورنثوس الأولى 1: 22). فالمشكلة قديمة كما يقول القرآن: {وقالَ الَّذينَ لا يعلمُونَ لولَا يكلِّمُنا اللَّهُ أَو تأتِينَا آيةٌ كذَٰلكَ قالَ الَّذينَ من قَبلِهِم مِثلَ قَولِهِم تشَابَهَت قلوبُهُم قَد بيَّنَّا الآياتِ لقومٍ يُوقنُونَ} [البقرة: 118].
ليس من اليسير إغفال كثير من الإشكالات المتعلِّقة بتاريخيَّة المعجزات، خاصَّة وأنَّها حدثت وانقضَت في عصور قديمة، ولم يشهدها سوى فئة محدودة من النَّاس، ولم يَبْلُغنا سوى أخبار ذكَرَها أتباع الدِّين أنفسهم في كتبهم الدِّينيَّة. أمَّا المنجَزات العلميَّة المَهولة الَّتي حصلت في عصرنا الرَّاهن، والَّتي جعلت الإنسان يتعرَّف إلى عمر الكون وسرعة الضَّوء ومساحة المجرَّات؛ فتتطلَّب تقديم خطاب دينيّ أكثر عمقًا وموضوعيَّة.
نحن اليوم في حاجة ماسَّة إلى نوع آخر من المعجزات، الَّتي تقوم على معرفة عميقة بقوانين الطَّبيعة وسُنن الاجتماع والعمران؛ لعلّها تُخرجنا من أزماتنا الإنسانيّة والحضاريّة المتعدِّدة.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.