الرئيسية > رأي عام > مقالات > التَّنوّع والثورة: سَيْفٌ ذو حَدَّين
روجيه أصفر (سوريا)

التَّنوّع والثورة: سَيْفٌ ذو حَدَّين

الإثنين ٢٠١٩/١١/١١م   |   ١٤٤١/٣/١٤ هـ

ثَوراتٌ تَندلع، وثَوراتٌ تتطوّر، وأخرى تُقمع وتَموت أو تتحوّل، في أنحاء مختلفة من العالم العربيّ، ومناطق أخرى من حول العالم، شَكّل فيها التَّنوّع عنصرًا شديد الأهمِّيّة، وسيفًا ذا حدَّينِ، لا سيّما حين يكُون الحديث في انتفاضات بلداننا العربيّة وثوراتها.

اُستُعمِل واقعُ تَنوُّع مكوّنات بلداننا الدينيّ والطائفيّ، مِن قِبَل السُّلطات الَّتي تتوجّه الثَّورات ضدَّها، ليكُون سلاحًا ضدَّ الثَّورات، بمعنى أن يجري تخويف مكوِّن دينيّ/طائفيّ أوّل، من جهة مكوِّن دينيّ/طائفيّ ثانٍ، وأنْ تُصوَّر الثَّورة على اعتبار أنَّها طائفيّة، تنتقص من حقوق هذا أو ذاك من المكوّنات، لتأليب بعض هذه المكوّنات على بعض. فيتحوّل الاهتمام من الإستبداد والفساد موضوع الثورة، إلى التَّخوّف من حربٍ أهليّة أو حوادث طائفيّة تَطُول كلَّ شيء، إلَّا السُّلطات الَّتي قامت الثَّورة من أجل تغييرها.

بهذا المعنى يكون التَّنوّع نقمةً، ومُنتِجًا دائمًا للمشاكل والصِّراعات في ظاهر الأمر، وخطًّا أحمَرَ يَحُول دون أيّ تحرُّكٍ أو انتفاضةٍ؛ خوفًا من انحراف مسار الأمور إلى الطَّائفيّة والصِّراعات الأهليّة. وقد شهِدْنا على تحوّلاتٍ مماثلة في أكثر من بلدٍ عربي، منها سوريا.

في سوريا -خلال الأشهر الماضية- تَصاعَد الصِّراع بين أطرافٍ مختلفة محلِّيّة وخارجيّة، في منطقة شرق الفرات. وكان قاسمها المشترك، المكوِّن الكورديّ السُّوريّ، وفي مقابله المكوّن العربيّ السُّوريّ. فبلَغَت فيه الحروب الإعلاميّة، وعبْر وسائل التَّواصل الاجتماعيّ، قعْرًا غير مسبوق بين الطَّرفَين، من حيث النُّعوت السَّلبيّة والشَّتائم، واستعادات للتَّاريخ القريب والبعيد بطُرقٍ لا تخلو من تشويهٍ وانتقائيّةٍ وتزوير، حتَّى يكاد يبدو أنّ أيَّ تَعايُش بين المكوّنَين السُّوريَّين مستحيلٌ في المستقبل القريب. وقد غذّت هذه الحروب الإعلاميّة أفعالًا متبادلةً على الأرض، شملت احتلالًا للأراضي بالاستعانة بدعم قوًى خارجيّة، وتهجيرًا للسُّكَّان والتَّنكيل بهم، وممارسة جرائم التَّعذيب، ومصادرة الأراضي والأبْنِية والممتلكات، ومِن ضِمْنها فرْضُ الإتاوات.

مع ما يمكن أن يوصف بأنَّه مؤسف، بل مؤلم بشدّة، من شقاقٍ بلغَ مَداه بين مكوّنَين، استطاعا العيش معًا مئات السنين رغم كلِّ المنغّصات، لا بدَّ من القول: إنَّ الصُّورة السَّوداء اليوم، لا يتحمَّل مسؤوليَّتَها بعض أبناء هذَيْن المكوّنَين وحدهم، بل هي بالدَّرجة الأولى مسؤوليّة تراكمات مختلفة، تتحمّلها السُّلطات الَّتي أوصلت الأمور إلى ما هي عليه، من خلال التَّصوير المقصود للآخر المختلف باعتباره مَصدرًا للتَّهديد، بدَلَ أن يكُون مَصدرًا للغِنى؛ إذ لطالما كانت سياسة “فرّقْ تَسُد”، سياسة بديهيّة لدى الأنظمة القمعيّة. وبهذا المعنى، تصبح التَّربية على المُواطَنة الحاضنة للتَّنوّع واجبًا وطنيًّا، لا خِيارًا أو ترَفًا كماليًّا يمكن تجاوُزه، مع ضمان الحقوق الثقافيّة للمكوّنات ، واحترام خصوصيّاتها من ضمن هذه المواطنة.

في سياق مختلف، وفي مناسباتٍ سابقة شهِدَها لبنان، ساهمت اللُّعبة ذاتها في وأْدِ انتفاضاتٍ شعبيّة، كالنشر والتعزيز لرسالة مُفادُها: أنّ الآخر هو مَصدر تهديد. وقد ساهم في رواج هذه الصُّورة، ما بدا أنّه انتماء محدّد للمنتفضِين/ات حينها، وتَظاهُرهم/هنّ واعتصامُهم في منطقة وسط بيروت بشكل خاصٍّ. أمّا اليوم، فقد نجح اللُّبنانيّون/ات المنتفضون/ات -من خلال تَنوُّع انتماءاتهم الدِّينيّة والطَّائفيّة، وتَوزُّع نقاط تظاهُرهم ونشاطهم الاعتراضيّ على أغلب الأراضي اللُّبنانيّة من طرابلس إلى صُور ومِن جُونِيه إلى زحلة-، في سلب هذه الحيلة قوّتَها؛ إذ يصعب تأليب مكوّن دينيّ أو طائفيّ أو مناطقيّ ما على آخر، حين تكُون التَّظاهرات والاعتصامات وحالات العصيان المدنيّ، وطنيَّةً عابرةً لكلِّ الانتماءات غيْر الوطنيّة.

لكن، ماذا لو كان الجمهور المقابل، الدَّاعم للسُّلطة الموصوفة بالفساد والدِّيكتاتوريّة، جمهورًا عابرًا للانتماءات والمناطق؟ ألَا يُضفي ذلك شرعيّة على ما تقُوم به هذه السُّلطة؟

في الحقيقة، إنّ تَنوُّع انتماءات جمهور السُّلطة في وجه تنوُّع الجمهور الثَّائر، لا يمنح السُّلطة شرعيّةً، ولا يجعل من أفعال القمع فِعلًا أخلاقيًّا أو مقبولًا. بل إن التَّنوّع المتبادَل في الحقيقة، يسحب أيّ تهمٍ بالطَّائفيّة والمناطقيّة أو بغيرها من التَّحزُّبات، من يد السُّلطة، ويُعِيد الخلاف والنِّقاش إلى مكانه الصحيح: الوطنيّ والسِّياسيّ والمَطلبيّ، بعيدًا عن أيّ تُهَم تُسهم في شيطنة الآخر، أو تَسحب حقَّ النَّاس في الاعتراض والاحتجاج، أو تُسخِّف مطالبهم، أو تُصوِّرها على اعتبار أنَّها بُذورُ صراعٍ دمويٍّ حتميٍّ. فيُمسي خِيارُ النَّاس قَبُولَ الواقع السَّيِّئ؛ خوفًا من المستقبل الأسْوَأ.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.