الرئيسية > رأي عام > مقالات > الثورات الشعبية بين التصعيد والعنف
تانيا عوض غرّة (لبنان)

الثورات الشعبية بين التصعيد والعنف

الجمعة ٢٠٢٠/١/٣١م   |   ١٤٤١/٦/٦ هـ

بَعْد أن امتدّت مَوْجات الربيع العربي إلى عدّة دول عربية -آخِرُها لبنان والعراق-، وبعد تَعنُّت الأنظمة وتَشبُّثها بالسلطة، عن طريق استعمال القمع والقوّة والترهيب والتخوين -وهي عُدَّة العمل التي تمرّست بها منظومات عديدة-، وبعد يأسِ المنتفضين/ات وسقوطهم أحيانًا في لعبة المنظومات العنفيّة، ثم قبولِهم إمّا لِلواقع أو لإنجازات صغيرة ممسوخة، وأحيانًا غرقهم في حمّام دموي؛ لا بدّ من أن يستوجب مِنّا كلُّ ذلك قراءةً هادئة، في ديناميكيّة الانتفاض، والفصل بين التصعيد والعنف في الثورات.
كلُّ الثَّوْرات تبدأ بالتظاهر السِّلميّ، وبانضمام مختلف شرائح المجتمع إليها بفرحٍ وأملٍ كبيرَين. فيُكسَر حاجز الخوف، وتَعلو نسبة الثقة ببلوغ الهدف. وسرعان ما تَفعل ديناميكيّة المجموعة فِعلها، حيث ينتشي الناس فرحًا وقوّةً، ويعتقدون –مخطئين/ات- أنَّ حركتهم ستُسقِط تركيبات مُعمِّرة، قائمة على العنف البُنْيوي المُمَنهَج. أمّا ما يحصل بعدها، فكلاسِيكيّ: تَستغلُّ السلطة الوقت، فتَقمع تارةً، وتحمي المتظاهرين/ات تارةً أخرى. لا تتبنّى القمع مباشرةً، بل تَلُوم “بعض العناصر”، وتَفتح “تحقيقات”، وتُلْقي القبض على متظاهرين/ات سِلميّين/ات. وذلك في رقصة خطِرَة، تقُوم على جسّ نبض الناس، وعلى زرع الخوف من “المندسّين”، وعلى استعمال الإعلام والملفّات ضدّ الأفراد، والاعتراف بالتظاهر السِّلمي كحقّ مقدّس، عليها حمايتُه من جهة أنه “حقٌّ مكفول بالشرعات الدُّوَليّة وفي معظم الدساتير”، في حين تقُوم بالعكس من جهة أخرى.
بذلك، يَدخل الناس في دوّامة اللعبة النفسيّة: يوم نَشوة، ويوم يأس. ثم يتعبون، ويخافون من خسارة صوتِهم وإنجازِهم الأهم: أيْ كسر حاجز الخوف، والحُلم بعدالة وغدٍ أفضل. عندها، يبدأ البحث عن سُبُل تحقيق نصر معيّن، ويبدأ الكلام عن “تصعيد”. وبسبب الخلط بين التصعيد والعنف، وبسبب تَماهِي المجتمع مع أساليب السلطة العنيفة؛ يُدفع بعضهم نحو الأعمال العنفيّة، وتُسمع دعوات، مِثل: “هذه السلطة لا تَفهم بالسِّلميّة”، “علينا ممارسة العنف لكي تفهم”. فنَشهد عمليّات تكسير، وكرّ وفرّ، وجَولات عنف، وعنف مضاد مُبرّر من كِلْتَا الجهتَين؛ ويَدخل الجميع مرحلة الفعل وردِّ الفعل، وتطبيق قول “البادي أظلَم”. فتضيع القضيّة بين عناوين: “مَن ضَرب مَن أوّلًا؟ ومَن يتحمّل المسؤوليّة أكثر؟ ومَن معه الحقُّ أكثر؟”. وينقسم الرأي العامُّ بين مَن يَدعم “السِّلميّة” التي لم تأتِ بنتيجة، ومَن يدعم “الأعمال العنفيّة” كضرورة، ومَن يضربه اليأس من إمكانيّة التغيير.
هنا، تبدأ خسارة المنتفضين/ات، لِكَون العنف المُمَنهج هو سمة المنظومات، ولأنَّ مَن يَدخل ملعبها من المدنيِّين/ات، خاسر حتمًا. والتاريخان الماضي والحديث، شاهدانِ على ذلك. عندها، إمّا ينجح القمع، أو يَدخل الجميع في حرب استنزاف قد تستمرّ سنوات، قبل تعب الفريقَين وانتهائهم إلى التحاور. فهل يعني ذلك حتميّة “العنف الثوري”؟ إنّه مُصطلَح يُسوِّقه المحرّضون على العنف، ويُلبسونه ثوب قُدسيّة الثورة. فما من شيء اسمه “عنف ثوري”. هنالك عنف أو لاعُنف في الثورات. ولكلِّ مُقارَبةٍ عُدَّةُ عملِها. لدينا دائمًا حرّيّة الاختيار بين العنف واللاعنف (أو التصعيد). إنَّ شرْط المعرفة والمساءلة الذاتية الدائمة: “ماذا نريد؟ وما هدفُنا؟”.
من الضروري أوَّلًا، الانتباه لِكَون “السِّلميّة” تختلف عن “اللاعنفيّة”. فالسِّلميّة قد تتهرّب من المواجهة، وتبقى عالقة في الفولكلور، أو التحرك اللطيف الناعم. وهذا ما حصل في معظم الموجات الأولى للربيع العربي، في حين فلسفةُ “اللاعنف” قائمةٌ على مواجهة من نَوع آخر. فهو نضال لمواجهة الظلم، في سبيل تحقيق العدالة والسلام المجتمَعِيَّين. ويَعتمِد مبدأُ “اللاعنف” الضَّغطَ والتصعيد والعصيان المدني، بأساليب لاعنفيّة. فهل يمْكن القيام بذلك؟ طبعًا. والأمثلة حول العالم كثيرة.
اللاعنف في الثورات ينطلق من مَقولة: “الوسيلة جزء لا يتجزّأ من الهدف” (غاندي)، كما البذرة للشجرة. فلا يمكن للوسيلة أن تكون عنيفة، إنْ كان الهدف نبيلًا. وقد عمل العديد من الباحثين والمنظّرين والناشطين، على ابتكار وسائل ضغط لاعنفيّة وتصعيديّة لتغيير أنظمة، كوَضْع أفكار للعصيان المدني، والتحرّك اللاعنفي المباشر. منهم: هنري دايفيد ثورو (١٨١٧-١٨٦٢)، وجين شارب (١٩٢٨-٢٠١٨)، وأيضًا بالطبع مهاتما غاندي (١٨٦٩-١٩٤٨). وقد طُبّق معظم أفكارهم بنجاح حول العالم.
إذًا، هل يمْكن تغيير ديناميكيّة اليأس، بِديناميكيّة التصعيد البنّاء والإيجابي؟ الجواب: طبعًا. يمْكن محاصرة المنظومات وتقزيمها، دون الغرق في لعبتها. قد يَسقط ضحايا، وقد يُسجن العديد، لكنّ مُرتكِب العنف سيكون جهة واحدة، في حين تبقى الجهة الأخرى نقيّةً كهدَفِها. وعلى كلِّ تَحرُّك أن يَحمل مفردات مِثل: “لماذا؟” و”كيف؟” في طيّاته، وأن يكون “البذرة” التي ستحمل النتيجة من نفس الطبيعة. فنقُوم بالتصعيد البنّاء والضغط من أجل الصالح العامِّ، في الثورات والانتفاضات، ونُبْقي صفوفنا موَحَّدة قدر المستطاع، ونَبْقَى أصحاب/صاحبات حقٍّ، لا شركاءَ/شريكات في العنف.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.