الرئيسية > رأي عام > مقالات > الجيل الَّذي سَخِرْنا منه
مصطفى سعدون (العراق)

الجيل الَّذي سَخِرْنا منه

الإثنين ٢٠١٩/١١/١٨م   |   ١٤٤١/٣/٢١ هـ

عندما يُثار الحديث في وضْع الأجيال العراقيَّة، فعادةً ما يجري انتقاص جيل التسعينيَّات وما بعده، خاصَّة جيل سنوات نهاية القرن الماضي. فهو جيل -بنظر غيره- انشغل بالتّكنولوجيا والمُوضَة والشَّكليَّات، أكثر منها بالقضايا العامَّة -هكذا كانوا يقولون-.

في العامَين الأخيرَين، بدأوا يُطْلقون على هذا الجيل مصطلح “جيل البوبجي”، في إشارة إلى اللُّعبة الشَّهيرة الَّتي تُمارَس عالميًّا. جيل البوبجي بالنِّسبة إلى مَن كان يتحدَّث به، هو جيل خارج “إطار الرُّجولة” والشُّعور بالمسؤوليَّة. وكانوا -إذا ما أرادوا الانتقاص من أحد- يقولون عنه: “جيل البوبجي والآيفون”. هذا الجيل الَّذي أشبعوه وأشبعناه جَلْدًا وانتقاصًا، كان يُخبِّئ برأيي وعْيَه حتى اللّحظة الَّتي يراها مُناسبة، أي اللَّحظة العراقيَّة الَّتي قد تُعوِّضنا ما ضاع منّا طَوال عُقود ماضية. كان هؤلاء الَّذين يُرابطون في ساحات الاحتجاج أطفالًا، عندما سقط نظام صدَّام حسين عام 2003. وفي الحرب الطَّائفيَّة عام 2006 لم يتذكَّروا شيئًا، لكنَّهم سمِعُوا بها، سمِعُوا كيف فقَدُوا إخوتهم وأقاربهم وأصدقاءَهم.

في لحظة، وبعد الخذلان الكبير الَّذي تسبَّبَت به حركة الاحتجاجات عام 2015، وجَدْنا أنفسنا أمام حَراك جديد يقُوده الشَّباب/الشَّابَات، الَّذين طالما تَعرَّضوا لِلتَّنمُّر على مواقع التَّواصل الاجتماعي: أصحاب “التُّوك توك”، وأصحاب “قصَّات” الشَّعر الغريبة، وأصحاب “الجينزات” الضَّيِّقة، وغيرهم. فتختلف الحركة الاحتجاجيَّة الَّتي يشهدها العراق الآن، عن كلِّ الاحتجاجات السَّابقة. فثَمَّة جيل جديد يتطلَّع إلى مُستقبل يعيش فيه بصفته عراقيًّا، غيْرَ لاغٍ لبقيَّة الانتماءات والهُويَّات الفرعيَّة. جيل لا يُريد إلَّا أن يكُون مِثل أقرانه في دول العالم الأخرى. وهذا الجيل يَعرف جيِّدًا أنَّ السَّنوات الطَّويلة الَّتي عشناها بحصار اقتصاديٍّ وحروب وإرهاب، ما هي إلَّا لحظات في تأريخ الشُّعوب. لذا، أرادوا تغيير هذه اللَّحظات وصناعة لحظات جديدة، يكُون فيها قادتُها ليسوا من أصحاب مؤتمرات الخارج، ولا من حَمَلة السِّلاح الَّذي يُقوِّض الدَّولة.

نحن اليوم أمام جيل تَخجل منه بقيَّة الأجيال. هذا الجيل، يُحاول صناعة مستقبل جديد فشلت في تحقيقه الأجيال السَّابقة، الَّتي تفرَّق أغلب أبنائها بسبب انتماءات حزبيَّة أو دينيَّة أو قوميَّة، أسهمَت في وُصول العراق إلى ما هو عليه الآن. هؤلاء الشَّباب أدركوا أنَّ الحقوق تُنتزع ولا تُوهَب من أحد.

إنّ لحظة الاحتجاج العراقيَّة الَّتي بدأت في الأوَّل من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لم يكُن مَثلُها كَمَثل الجيل السّابق الَّذي جاء بها. هذا الجيل عاش الحصارَ، والحرب، والحرب الطائفيَّة، والإرهاب، وأربع سنوات مع “داعش”. ولمّا كان لا يُريد أن يَحدث كلُّ ذلك، قرَّر رفْع صوته عاليًا. فالمتظاهرون/ات الَّذين واجهوا الرّصاص في ساحات التَّظاهر ببغداد والمحافظات الجنوبيَّة، وصَلُوا لحظةً فيها خِيارَان: إمَّا مواجهة رصاص القنَّاص “المجهول”، أو العيش في حياة ليست مِثل تلك الَّتي يجب أن يعيشوها أو يتطلَّعوا إليها.

تَذكُر الإحصاءات الرَّسميَّة للدَّولة العراقيَّة، أنَّ نسبة الشَّباب/الشّابّات من سُكَّان العراق الَّذين تجاوزوا 38 مليون نسَمة، وصلت 52%. وهذا رقم تعتبره الدُّول المتقدِّمة والمتحضِّرة ثورة؛ إذ عَددٌ من دول أوروبَّا حاليًّا تُواجه مشكلة انخفاض معدَّلات الشَّباب في المجتمع. فهذا الجيل ثروة، والثَّروة قد تُحْسِن الدَّولةُ استثمارَها، وقد تُسيء. لذا، هي أمام فرصة حقيقيَّة لإعادة التَّفكير فيما صنعَته طَوال الـ16 سنة الماضية، ومواجهة الحقيقة الَّتي تقول بأنها “فشِلَت في بناء دولة مؤسَّسات يكُون الجميع فيها سَواسِيَة”.

نحن اليوم أمام جيلٍ يُشكِّل النِّسبة الكبرى من المجتمع العِراقيّ، جيلٍ يَعْرف -على ما يبدو- أنَّ تفضيل الهُويَّات الفرعيَّة على الهُويَّة الجامعة، يُمْكنه أن يأخذ البلاد إلى ما هو أسوأ من وضعها الحاليّ. فحقيقة الهُويَّة العراقيَّة الَّتي غُيِّبَت خلال العقود الماضية، بدأت تَظهر، وبدأ هذا الجيل يتعامل معها مثلما يجب. وفي المقابل، لم تكن احتجاجات هؤلاء الشَّباب/الشّابّات سهْلة. فهُم يُواجهون بشكل يوميٍّ الغازَ المُسيل للدُّموع والرّصاص الحيّ، وسقَط منهم أكثر من 300 قتيل و15 ألف جريح، بحسب إحصاءات المفَوَّضيّة العليا لحقوق الإنسان، ومنظَّمات حقوقيّة أخرى.

نستطيع القول: إنَّ هذا الحَراك الشَّبابيَّ هو فرصة للنِّظام السِّياسيِّ الحاليِّ، للتَّعامل معه واستثماره، لكنَّهم لم ينجحوا في ذلك حتى الآن. ففجوة كبيرة خلقَتها الطَّبقة السِّياسيَّة العراقيَّة، بينها وبين هذا الجيل، ولم تَعرف كيفيَّة مخاطبته، وكانت الكثير من خطاباتها ومواقفها مُتعاليَةً عليه. وبالمحصِّلة، سيكُون لهذا الجيل الكلمة في الفترات المُقْبلة -أيَّامًا كانت أو أسابيع أو شهورًا أو سنوات-، لكنَّه في نهاية الأمر سيكُون هو صاحب الكلمة والقرار. فأخطاء الماضي بالنِّسبة إليه، يجب ألَّا تتكرَّر.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.