الرئيسية > رأي عام > مقالات > الحب والأضداد في الطبيعة البشرية
عبد الجبار الرفاعي (العراق)

الحب والأضداد في الطبيعة البشرية

الثلاثاء ٢٠٢٠/٥/١٩م   |   ١٤٤١/٩/٢٧ هـ

أَنْ تُحِبَّ، ليس قَرارًا تتَّخذُه. ولا يمْكن أنْ يَصدر الحُبُّ عن أوامرَ تُفرَض عليك، فتُلزمك أنْ تُحِبَّ فلانًا، أو تَكره فلانًا. ولا إرادةَ لك إلَّا أن تستسلم، فتنفِّذ هذه الأوامر. وعند عصيانك لها تُعاقَب. الحُبُّ حالةٌ تُحْدثها مجموعةُ أسباب، وتغذِّيها عدَّةُ عناصر، المستتِرُ منها أكثرُ وأشدُّ من الظاهر. الحُبُّ يُعبِّر عن ديناميَّات تَفرضها احتياجاتٌ عاطفية، تعتملُ في أعماق النفس البشرية، وربَّما يتكشَّف للإنسان بعضُها، غيْر أنه لا يَعرف كلَّ شيء فيها.

لا يبحثُ الإنسانُ عمّن يُحبّه، ولا يَطلب من أحدٍ أن يُحبَّه. الحُبّ هو مَن يبحث عن الإنسان، وغالبًا ما يستولي على قلبه لِعواملَ يجهل أكثرَها. ماهيةُ الحُبِّ خارجَ التعريفات أو بيانِ حدوده. كُنهُه خفيّ، ووُجودُه لا يتحقّق، إلَّا بعد أن تتحقّق كلُّ مقدماته وأسبابه والعناصر المُنتِجة له. وأشدُّها أثرًا الأسبابُ والعناصرُ الكامنةُ في اللاشعور.

يسألني قُرَّاءٌ كرام عن اهتمامي في كتاباتي بالرَّحمة والشفقة والحُبّ والسلام، وتَذوُّق تجلِّيَات الجمال في الوجود، وكثافةِ حضورها، والتثقيف عليها في أعمالي، ويَحسبون أنها تَعكس قناعتي، لِكَونها حالات متعمِّقةً في طبيعة الكائن البشري؛ فأُجيبهم كلَّ مرة: قناعتي تتلخص في أنها (أي الرحمة والشفقة والحب والسلام) ليست مترسِّخة في طبيعة هذا الكائن، بل إنَّ ما يُستنبَت في شخصية هذا الكائن، وينمو ويترسخ بالتدريج منذ طفولته الأولى، أكثرُه على الضدِّ من تلك الحالات، لأنَّ الطبيعة البشرية مُلتقَى الأضداد.

خلَصتُ إلى أن الإنسان ليس خيِّرًا بالطبع، وذلك ما يشير إليه الكَمُّ الهائل من الشّرِّ في الأرض، والكراهِيَاتُ المتفشِّيَة في الحياة، وتشديدُ الأديان والثقافات ودعوتُها الملحّة إلى الرحمة والمحبة والسلام، والفضيلةِ والخُلُقِ الحَسَن، لإدراكها حقيقةَ الكائن البشري. لذلك، تُلحُّ عليها، بُغْية خفض ذلك الشّرِّ المختَزَن، في الطبقات الغاطسة في باطن هذا الكائن. ولعلَّ ذلك هو أحدُ أهمِّ أسباب عُزلة الفلاسفة، وهروب معظمهم من العلاقات الاجتماعية، وإعراضِهم عن العيش بين الناس، وجنونِ غيْر واحد منهم أو انتحاره. وكثيرون يَعرفون أن عقول الفلاسفة هي الأجْلَى بصيرةً، في الكشف عمّا يخفيه الإنسان في داخله.

قناعتي هذه، ثمرةُ دراسة وتدريس لعلوم الدين والفلسفة، ومُطالعاتِ سنوات طويلة لِعِلم النفس، ومختلف علوم الإنسان والمجتمع، بمُوازاةِ تجارب عُمرٍ وخبراتٍ متنوعة، لِمَسيرة حياة ما زالت في حالة سير متواصلة بين الثقافات، تنقّلتُ فيها بين بشر مختلفين في أديانهم وثقافاتهم وبلدانهم وشخصياتهم. وذلك ما يدعوني إلى الإلحاح المتواصل على بناء القيم الإنسانية السامية، والرحمة والتراحم والمحبة والتضامن والسلام؛ على أمل أنْ يكُون الإنسان أشدَّ قدرةً على احتواء العنف، وأكثر إسهامًا في تبديد الطاقة التدميرية للكراهِيَات في العالَم.

اِكتَشفَ الطبيعةَ البشرية، عِلمُ النفس وعلومُ الإنسان والمجتمع الحديثة. وما زالت تتواصلُ اكتشافاتُها، لأن الطبيعةَ البشرية تَختزن الأسرارَ التي أَوْدَعها اللهُ في الخلق. ما أكتُبُه عن الطبيعة البشرية ليس رأيي فقط؛ إنه رأيُ أشهرِ علماء النفس والتربية والاجتماع والأَنثروبولوجيا وغيرها من علوم الإنسان والمجتمع.

أحترمُ العلمَ الحديث، وأثقُ بقدرته على نقد نتائجه وغربلتها وتمحيصها، وفضح أخطائه على الدوام. وذلك ما يدعوني إلى أن أعتمِدَ العلم في أعمالي، كما أعتمِد الفلسفة، وأنْ أُوظّف أحيانًا خبرةَ التصوف الفلسفي واستبصاراته الحاذقة في النفس الإنسانية. يُشرِّح مُحْيي الدين بن عربي طبيعةَ الإنسان، وما ينطوي عليه في خَلْقه من الأضداد، بقوله: “واعلَمْ أن الإنسان شجرةٌ من الشجرات، أنبَتَها اللهُ شجرةً لا نجْمًا، لأنه قائمٌ على ساق، وجعله شجرةً من التشاجر الذي فيه، لكونه مخلوقًا من الأضداد، والأضدادُ تَطلبُ التخاصمَ والتشاجر والمُنازَعة.

لا أعتمِدُ الكتاباتِ الوعظيةَ المبسَّطة، مثلَ: آثار: أوشو، أو مهاريشي، أو روبن شارما الذي يوصَف على غلاف كُتُبِه بـ”الراهب الذي باع سيارته الفيراري!”، أو رُكام كتاباتٍ أكلتْ وقتَ القرَّاء غيرِ الخبراء فيما يسمَّى بـ”التنمية البشرية”، أو “عِلم الطاقة” وتقسيماته الهندية الثلاثية “الهالة الأورا، ومراكز الطاقة الشاكرات، ومسارات الطاقة المريديان”. لقد نظرتُ في كثيرٍ منها فوجدتُها سطحية، غيرَ علمية، بل رأيتُ بعضَها ركيكًا بائسًا، لا يقع في فتنتها إلَّا الناسُ الذين لا يفكّرون بتأمل ورَويَّة وتدقيق، ولا يمْكن أبدًا أن تُغوي العقولَ اليَقِظة. ويُشْبهها في الجهل بحقيقة النفس الإنسانية، أكثرُ التوصيات الجاهزة والمَواعظِ المتداولة بين الناس.

كثيرون/ات يتحدثون ويكتبون جهلًا، لكنَّ المشكلةَ في جاهلٍ يَفرض نفسَه مُعلِّمًا للناس بصِدقٍ وحُسنِ نيَّة. حُسنُ النيّة والصدقُ وحدَهُما، لا يُبرِّران ترويجَ الجهل، أو أنْ يكُون الجاهلُ مُعلِّمًا للعالِم. مشكلةُ بعضِ مَن يكتبون اليوم عن الإنسان والدِّين والمقدَّس، جهلُهُم بتراث الإسلام والأديان الأخرى، مضافًا إلى جهلهم بعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة، وعِلم الأديان.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.