أمل الحارثي (الأردن)

الحريّة في صندوق

الإثنين ٢٠٢٠/٣/٣٠م   |   ١٤٤١/٨/٦ هـ

يتخوّف بعضهم مِن كلمة “الحرّيّة”، ويعبّر بصراحة بأنها لم تَعُدْ مُغْرية كما كانت قبل سنوات، مُعلِّلًا مَخاوفَه بأنّ الشعوب ليست مؤهَّلة، ومستنِدًا إلى مشاهَداته ومُتابعته للشأن العربي، منذ بداية الثورات العربية قبل حوالي عَشْر السنوات، حيث لاحَظ التَّخبّط في التعامل مع ملفّ الحرّيّات الشخصيّة وحرّيّات الفكر، في الأطروحات التي قدّمَتْها بعض القوى الثورية في بداية الثورات.

مَخاوفُ تُعَدُّ مُبرَّرة؛ إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الاعترافَ الصريح -على لسان قُوًى لها تَوَجُّهات أيديولوجيّة تُعْلن على الملأ أحيانًا وتُناوِر أحيانًا أخرى-، بأنّ الحرّيّة المَرغوب فيها هي حرّيّة الانتخاب فقط، بل إنها تسعى لاقتطاع بنود رئيسة مِن كتاب الحرّيّة العامّ؛ لأنّها لا تُناسب تَوجّهاتها. هؤلاء ينقسمون إلى قسمين: قِسم واضح وصريح في رفضه كلّ أشكال الحرّيّة الأخرى، وقِسم يدعو إلى تأجيل الحديث بِحرّيّة المرأة وحرّيّة الدين والفكر والحرّيّات الشخصية، باعتبارها أُمورًا ثانويّة، تأتي في الأهمية بعد حرّيّة الانتخاب. وفي هذا برأيي مُغالَطة كبيرة.

تتزايد المَخاوف من حصول هذه القوى على الحرّيّة المجتزَأة التي تريدها، ويتعاظم الرعب من أنْ يؤدّي هذا الفكر إلى التَّحكُّم والتضييق على أشكال أخرى من الحرّيّة. فمثلًا: حرّيّة الانتخاب قد تَقُود -لأسباب طائفية أو مجتمعية أو سياسية- إلى انتخاب مَن يُضيِّق على الناس، ويَفرض عليهم أحكامًا تتنافى وحرّيّة الفكر والتصرّف وحرّيّة المرأة. أيضًا حرّيّة الانتخاب قد تؤدّي إلى المزيد من الظلم للمرأة، وللأقلّيّات الدينية والإثنية، ولِكلِّ صاحب فكر مختلف؛ ما يَنسف مبدأ الحرّيّة من أساسه. هذا الرُّعب في نفوس بعضهم، وصل بهم إلى درجة تفضيل الديكتاتوريّات التي ربما تَكفل بعض الحرّيّات الشخصية وحرّيّات المعتقد، على الحرّيّة التي تُطالب بها هذه القوى الأيديولوجيّة. وكِلَاهما -أيْ حرية الانتخاب وتفضيل الديكتاتوريّات- خطأ.

العيب لم يكن أبدًا في الحرّيّة؛ إنّما هو في طريقة فهمنا لها، أو في حصْرِها في بند واحد، وهو حرّيّة الانتخاب وحرّيّة ممارسة السياسة، في حين هي أكبرُ وأشمل. فحرّيّة الفكر والاعتقاد، وحرّيّة المرأة، والحرّيّات الشخصية، كلّها تَقبع تحت مظلّة الحرّيّة الشاملة. أمّا حَصْر المُطالَبة في بند واحد من الحرّيّة، فقد يؤدّي إلى قمع حرّيّات أخرى.

في لبنان والعراق، تَحرَّك مُتظاهِرُو الشارع أوّل مرّة بشعارات الحرّيّة بمفهومها الشامل، مَدعومين بعدد كبير من المفكّرين/ات والمثقّفين/ات، والشبابِ والشابّات الواعين، الذين يرون أنّ كلّ تَحرُّك للتغيير يجب أن يكُون مدنيًّا خالصًا، وينظرون إلى الدولة على اعتبار أنّها دولة مدنية، يتساوى فيها المواطنون جميعًا (الرجالُ، والنساء، وأصحاب أيّ ملّة ودين، أو حتّى اللَّادينيُّون/ات). شباب رأوا بأعينهم الثمار المشوّهة التي جنَتْها الأوطان، من الطائفية والأيديولوجية والحلقة المُفرَغة التي تقبع فيها الشعوب العربية، والتي لا أمل لها في الخلاص، إلّا بكسرها والخروج إلى عالم أكثر رحابة.

الاستمرار على هذه الحالة والبناء عليها ليس سهلًا، لا سيَّما مع وجود قُوًى أخرى مضادّة، لها قبول على الأرض وانتشار كبير، وتَقُود معاركَها بشيطنة المشروع المدني، مستخدمةً كلّ أسلحتها، خصوصًا سلاح الخوف على الدين والأخلاق والمسلّمات، والتحذير من المؤامرات العالمية والكونية، التي يُتّهم أصحاب الفكر الآخر بحملها وترويجها. والأمر في حقيقته أبعد ما يكون عن ذلك.

في ملفِّ المرأة مثلًا: تُتّهم كلُّ امرأةٍ مُطالِبةٍ بحقوقها، بالعَمالة للخارج. فإنْ خرجَت إلى الشارع لِتُطالِب بِسَنّ قوانين تحميها مِن العنف، تُتّهم بأنها تَحمل أجندة، وبأنّ هدفها كسْرُ المسلّمات والثوابت، وكأنّ تلك المسلّمات قائمةٌ على ضرب المرأة وقمعها. وإنْ طالبَت برفع سنّ الزواج ووقف زواج القاصرات، اتُّهمت بإشاعة الفاحشة والترويج للرذائل، في خطاب بعيد عن المنطق السليم والعقل المتوازن.

معركتنا الدائمة هي التوعية. معركة بلا أسلحة، سوى أسلحة الفكر. ولَيْتها تستطيع أن تختصر الزمن، وتساهم في سرعة استجابة المجتمعات لبناء دول حضارية على مبادئ المساواة الكاملة، إلّا أنَّ التجاربَ المجتمعيةَ الطويلةَ الأمد، هي التي أثبتت عبر الزمن فاعليّتها في بناء الدول المدنية. إنَّ المجتمعات أنفسها ستَمرّ في تجارب قاسية تهزّها وتجعلها جاهزة، بل ساعية لإنشاء دول مدنية قائمة على الحقوق المتساوية للمواطنين/ات. وهذا ما تعلّمناه مِن تاريخ الشعوب الأخرى.

ما دَور التوعية إذن؟ إنْ كان لا بدَّ للمجتمع أنْ يمُرَّ بتجارِبه الخالصة، تأتي أهمّيّة التوعية في توجيه المجتمع إلى أخذ العظة من الدروس. فحتّى التجارِب الأليمة قد لا يستفاد منها، إنْ فُقِدَت الحكمةُ والفكر السليم المتوازن، وربْطُ السبب بالمسبّب، وإعطاء حلول، وتوجيه المجتمع إلى التثقُّف وأخذ العِبَر. وذلك للوصول في النهاية إلى الحرّيّة الكاملة بمفهومها الشامل، لا إلى تلك الحرّيّة المحبوسة في صندوق.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.