الرئيسية > رأي عام > مقالات > الحرِّيّات الفرديَّة أو تحرير الدين من الدولة
رشيد سعدي (المغرب)

الحرِّيّات الفرديَّة أو تحرير الدين من الدولة

الإثنين ٢٠١٩/١٠/٠٧م   |   ١٤٤١/٢/٨ هـ

شهِدَ المَغرب في الأيَّام الأخيرة نقاشًا حادًّا، حول قضيَّة الحرِّيَّات الفرديَّة وعلاقتها بالقوانين والهُويَّة الدِّينيَّة، وذلك بعد أن حُكِم على صحفيَّة وخطيبها بالسِّجن والغرامة، بتهمة “ممارسة الجنس خارج إطار الزَّواج”، و”الإجهاض غير القانونيِّ”، وهو ما يعتبره القانون المغربيُّ “جريمة فساد”. وقد حظِيَت الصَّحفيَّة بتعاطف كبير من المجتمع المدنيِّ، وتضامُن المنظَّمات الحقوقيَّة الَّتي اعتبرت القضيَّة انتهاكًا فاضحًا لحقوق الإنسان، وأيضًا مسًّا عميقًا لحقوق النِّساء وحرِّيَّتهنَّ في “التَّصرُّف في أجسادهنّ”، وانتهاكًا لخصوصيَّتهنّ الَّتي يُفترض في القوانين أن تقوم بحمايتها.
بغضِّ النَّظر عن البُعد السِّياسيِّ، أثارت هذه القضيَّة سؤالًا حول وظيفة الدَّولة الحديثة، والمسافة العقلانيَّة الَّتي يجب أن تُحدِّدها مِن التَّشريع الدِّينيِّ والمَرجِعيَّات الفقهيَّة، الَّتي تَستند إليها.
أيضًا كشفت عن استمرار الكثير من الدُّول الَّتي تصف نفسها بـ”الإسلاميّة”، في الاستعمال اللَّاأخلاقيِّ للشَّرعيَّة الدِّينيَّة، لمصلحة شرعيَّتها السِّياسيَّة؛ بذريعة حماية الشَّرع وثَوابت الأُمّة. وبهذا، يلتقي منطق هذه الدُّول مع منطق الجماعات والأحزاب الإسلاميَّة، حيث يجري انتهاك الحرِّيَّات الفرديَّة، وحرِّيَّة التَّعبير والتَّفكير بالذريعة نفسها.
تنطلق القوانين الَّتي تُناهض الحرِّيَّات الفرديَّة، من مرجعيَّة دينيَّة وفقهيَّة، يُفترض فيها أن تكُون موضوعًا للتَّعاقد، الَّذي هو أساس الدَّولة الحديثة. وينبغي أن يَقْبل المواطنون/ات مَعقوليَّتها، بعد أن تجري استشارتهم. فهل من المنطقيِّ أن يخضع للشَّريعة مَن لا يعتقد صِحَّتها، ولا مفهوم الدِّين نفسه؟ وهل يمكن ملاحقة مُلْحدين/ات بتهمة العلاقة غير الشَّرعيَّة؟ وهل من حقِّ الدَّولة أن تَفرض قوانين مرتبطة بمنظومة عَقَدِيَّة خاصَّة، على أشخاص لا يُعتَبر أنَّهم مَعنيُّون بها؟
بهذا المعنى، فإنَّ منطق الدَّولة يجب أن ينتقل من مفهوم “التَّكليف الشَّرعيِّ” إلى “التَّكليف العقليِّ”، ومِن نظريَّة “الحقّ الإلهيّ” إلى مفهوم “الانتظام الاجتماعيِّ”. أيْ أنَّ الدَّولة تَفْقد كلَّ سلطة دينيَّة، لأنَّ سُلطتها الوحيدة هي سلطة قانونيَّة، ألَا وهي حماية الحرِّيَّات، ومنها الحرِّيَّات الدِّينيَّة. وإلَّا، تَحوَّل الدِّين إلى إيديولوجيا تبريريَّة.
ماذا يعني هذا بالنِّسبة إلَيَّ، كمُسْلم مطالَب بأن يعيش تجربة الإيمان في أزمنة الحداثة، حيث لم يَعُد في إمكان الدَّولة أن تعتمد على مرجعيَّة دينيَّة متعالية وشموليَّة؟
أعتقد أنَّه لم يعُدْ من الممكن بالنِّسبة إلى الإسلام -كي يظَلَّ حاملًا لقيم العدل-، أن يكُون دينًا ودولة. فهو دين وأُمَّة، أو دين وجماعة مُسْلمة. ثمّ إنِّي أعتقد أنَّه لا يجب أن نعيش هذا التَّحوُّل، كتَنازُل عن مبادئنا الدِّينيَّة، نقدِّمه لِـ”قُوَى الفجور والفاحشة”. وهذا يعتقده الكثير ممَّن لا يزالون يَحلُمون بدولة إسلاميَّة طاهرة، وظيفتُها الأساسيّة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، بل كضرورة تاريخيَّة وثقافيَّة مُلحَّة.
لقد بدأت مجتمعاتنا تَدخل تدريجيًّا، في مرحلة يجب فيها على مؤمِنِي/ات كلِّ الأديان، أن يُقِيموا الحداد على كلِّ سلطة سياسيَّة للدِّين، الَّذي لم يعُدْ يملك إلَّا سلطة واحدة هي سلطة الكلمة. لكن، يجب أن نعي أيضًا، أنَّ التَّديُّن الأصيل لا يُمْكن أن ينبثق إلَّا في سياق الدَّولة المَدنيَّة، حيث يُصبح الإيمان الدِّينيُّ خِيارًا وُجوديًّا، وليس إكراهًا قانونيًّا. لذا، فإنَّ ما يبدو أنه تَراجُع للدِّين، هو في حقيقته وضعٌ للدِّين في سياق يكشف عن مدى صدقيَّة أنماط التَّديُّن، عندما يختفي الدِّين الرَّسميُّ الإجباريّ.
لقد دخَلْنا أيضًا مرحلة التَّمييز بين المعتقدات الدِّينيّة والواجب الأخلاقيِّ. وقد لا أكُون متَّفقًا مع الفعل الفرديِّ (علاقات جنسيّة أو غيرها) من وجهة نظر عقيدتي، فأعتبره “إثمًا أو خطيئة”. لكنَّ احترام حرِّيَّة الآخرين وكرامتهم هو فعلٌ أخلاقيٌّ، لا يقلُّ قيمةً عمَّا أعتبره سلوكًا مستقيمًا. ولا يتعلَّق الأمر بالتَّسامح مع الآخرين أو بالصَّبر عليهم، بل بالاحترام الذي هو المِحكُّ الذي يُجْلي حقيقة الإيمان.
يتطلَّب هذا التَّحوُّل القانونيُّ والسِّياسيُّ تجديدًا تأويليًّا، بِناءً على فكرة أنَّ الله يتحدَّث إلينا من خلال فهمٍ متجدِّد للنُّصوص؛ وذلك كي نكرِّس فكرة أساسيَّة مرتبطة بمقاصد الدِّين وغاياته العُليا، وهي أنَّ الدِّين لا يَبلغ درجة اكتماله، إلَّا عندما يتصالح مع المنظومة الكَونيَّة لحقوق الإنسان، والَّتي هي نِتاج سَيرورة طويلة ومؤلمة للبشريَّة، من أجل تحقيق كرامتها وحرِّيَّتها. ويمكن أن نتحدَّث بفكرة الختم الثَّاني للرِّسالة، بمعنى أنَّ البشريَّة وصلَت مرحلةَ النُّضج، الَّتي لا تحتاج فيها إلى وصاية الدَّولة أو الدِّين. فأصبح الإيمان مسألة فرديَّة لا تَخضع لمنطق العقاب، بل لمنطق المسؤوليَّة والضَّمير، امتثالًا للخطاب الإلهيِّ للرَّسول: {لَسْتَ عليهِم بِمُصَيْطِر}، والله أعلم.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.