الرئيسية > رأي عام > مقالات > الحُبُّ غير المشروط مِفتاح تَجاوُز النَّرجِسيّة
مهند خورشيد (ألمانيا)

الحُبُّ غير المشروط مِفتاح تَجاوُز النَّرجِسيّة

الثلاثاء ٢٠١٩/٨/٢٧م   |   ١٤٤٠/١٢/٢٦ هـ

تزداد المعاناة من اضطراب الشَّخصيَّة النَّرجِسيَّة في تلك المجتمعات، الَّتي تَكثر فيها اضطرابات العلاقة بين الأطفال والآباء، سواءٌ بسبب الإعجاب المفرط بالأطفال أو الانتقاد المفرط لهم، لا سيَّما حين ينشأ الطِّفل في أسرة يَشعر فيها بأنَّه غير مُهمٍّ، وبأنَّه مَحرومٌ الإحساسَ بالحبِّ والأمان العاطفيّ؛ ربّما بسبب انشغال الوالدين عنه، لا سيّما في المجتمعات الفقيرة، أو الَّتي ترتفع فيها نسبة الإنجاب. فتبقى بذلك حاجات الطِّفل العاطفيَّة غير مُشبعة، وهذا ما يؤدِّي إلى تَمركزٍ حول ذاته أكثر من الحدِّ الطَّبيعيِّ. وقد يتفاقم هذا التَّمركز، ليصير مرافقًا له طَوال حياته.

يُوصَف الشَّخص النَّرجِسيُّ بأنَّه أنانيٌّ ومغرور، ويعشق ذاته؛ إذ لديه تَضخُّم في الأنا، ويرى نفسه أفضل من الآخرين وأكثرهم فهمًا وعلمًا، وأنَّه يستحقُّ أن يكون في مكان أفضل من مكانه. فيَحسد نجاحات الآخرين، ولا يُطيق أن يكون زوجه أو زوجته أكثر نجاحًا منه. إنَّه شخص لا يعبأ بمشاعر الآخرين، ولا يشعر بآلامهم وأفراحهم، بل هو ينظر إلى نفسه دائمًا باعتبار أنه ضحيَّةُ مجتمعه، الَّذي لم يُقدِّره حقَّ قدره. لذلك، يطلب دائمًا أن يهتمَّ الكلُّ به. فتُصبح علاقاته بكلِّ من حوله علاقات نفعيَّة، ويتقرَّب إلى كلِّ مَن يُشْعره بأنَّه مهمٌّ، ويبتعد عن كلِّ من لا يعطيه اهتمامًا أو ينتقده، لأنّه لا يحتمل النَّقد. إنَّه يُقنع نفسه في عالمه الخاصِّ الَّذي يعيشه، بأنَّه دائمًا على صواب. فهو لا يريد أن يسمع سوى المديح، ويبحث دائمًا عن إرضاء غروره المفرط.

إنَّ مشكلة النَّرجِسيِّ(ة) الحقيقيَّة، هي عدم ثقته بنفسه، وشعورُه الشَّديد بالنقص. فكلُّ ما يقوم به من مظاهر العظمة، هو مجرَّد واجهة، يريد أن يخفي وراءها ذلك الشُّعور بالصُّغْر، وبأنَّه غير مرغوب فيه.

إنَّ مِن أشنع الأخطاء التي يرتكبها الآباء والأمَّهات، هو جعلُ حبِّهم لأطفالهم مشروطًا بنجاحهم وتفوُّقهم؛ إذ قَرْنُ الحبِّ بالإنجاز يجعل الطِّفل دائمًا في قلقٍ وتوتُّر. فينشأ الطِّفل حينها وهو يعي أنَّه ليس محبوبًا لذاته، بل فقط إنْ أدَّى ما هو منتظَر منه، سواءٌ تَعلَّق هذا بتحصيله الدِّراسيِّ، أو بتكيُّفه مع مجتمعه. وهنا، السُّؤال الَّذي أريد طرحه على عجالة: “ما دورُ الدِّين في مساعدة المؤمنين/ات، الَّذين يُعانون النَّرجِسيَّةَ المفرطة؟”.

يمْكن للدِّين أن يلعب هنا دورًا إيجابيًّا. ولكن، يمكن له أيضًا أن يعزِّز هذه المشكلة، حيث يعتمد ذلك على فهم الشَّخص للدِّين، وعلى طريقة ممارسته له، دون أن يعني ذلك الاستغناء عن مراجعة الطَّبيب(ة) المختصِّ(ة) بمثل هذه الأمراض، عند الحاجة إلى ذلك. فإنْ كانت صورة الإله عند المؤْمن(ة)، أنَّه ذلك الإله المحبُّ، الَّذي جعل حبَّه للإنسان حبًّا غير مشروط، فسوف يستشعر دائمًا أنَّه محبوب لذاته، وسوف يتذكَّر هذه الحقيقة في كلِّ لحظة يتواصل فيها مع الله.

يضْمن هذا النَّوع من الإيمان، الإحساسَ بالأمان العاطفيِّ. فكلُّ فرد منَّا هو آدم، الَّذي له سجدت الملائكة. كلُّ فرد منَّا هو محبوبُ الله منذ الأزل. والله يكره فعل السُّوء، لكنَّه لا يكره فاعله، بل كلُّ البشر عيال الله –حسب ما جاء في حديث الرَّسول عليه السَّلام-. فإنْ مارس الإنسان الدِّينَ باعتباره رحلةً في أعماق الذَّات، للتَّعرُّف إليها ولتزكيتها: {قد أفْلَحَ مَن زكَّاها}، فهُنا يُصبح التَّديُّن مِفتاحًا لكمال شخصيَّة الإنسان.

قيل: “معرفة الله تبدأ بمعرفة النَّفس”. فرحلة التَّديُّن تبدأ بالوعي بالذّات، أيْ بمواجهة الإنسان نفسَه بنفسِه، من خلال مراقبته لأفكاره وخواطره وكلامه وتصرُّفاته وتعامله مع الآخرين. هذه هي تزكية النَّفس الَّتي وصفها الرَّسول بالجهاد الأكبر. وهي تحتاج بحقٍّ إلى وقفات صِدق وإخلاص مع الذَّات، قد تؤلمنا أحيانًا، حين نرى أنَّنا لسنا دائمًا على تلك الصُّورة البرَّاقة، الَّتي كنَّا نظنُّ. ثمَّ لا ننسى كم تُركِّز الأديان السَّماويَّة على ضرورة التَّواضع، بل حتَّى على تفضيل الآخَر على الذّات، وضرورة الدُّعاء له، وطلب الخير له، والتَّخلِّي عن كلِّ معاني الحسد. إنَّ تطبيق هذا كلِّه، من شأنه أن يساعد كلَّ إنسان في رحلته، على طريق تكميل نفسه.

لكنَّ دَور الدِّين الإيجابيَّ، يعتمد على الانطلاق من صورة الله المحبِّ للإنسان حبًّا غير مشروط. أمَّا إنْ كان حبُّ الله للإنسان مشروطًا بإنجاز معيَّن، فيمكن أن يتحوَّل الإيمان إلى منبع قلقٍ وتوتُّرٍ وشعورٍ بالذَّنب، إنْ لم يتمكَّن الإنسان من تأدية كلِّ التزاماته. فيبدأ بالتَّركيز على استعراض المظاهر الدِّينيَّة، للاستعلاء بها على الآخرين، ولِمَلْء ذلك الفراغ الرُّوحيِّ الدَّاخليِّ. وهنا، تبدأ النَّرجِسيَّة الدِّينيَّة، المُفتقِدة معانيَ الحبِّ والرَّحمة.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.