أمل الحارثي (الأردن)

الحُلم الغربيّ

الثلاثاء ٢٠١٩/١١/١٢م   |   ١٤٤١/٣/١٥ هـ

في أثناء عَودتي مِن جولة أوروبّيّة، شاهدْتُ في الطّائرة فيلمًا يسرد قصّةً تُعبّر عن حالة الإحباط الَّتي يَشعر بها الفرد العربيّ، والَّتي تَجعله يَرغب في الهجرة بأيّ طريقة كانت؛ حتّى يتمتّع أبناؤه بجنسيّةٍ أجنبيّة، تَحفظ لهم حقَّهم في الحياة والحرّيّة والعيش الكريم.

بغضّ النَّظر عن حيثيّات القصّة وبُعدها عن الواقع، إلّا أنّ الفكرة العامّة قد وصلَت إلى المُشاهد، وهي رِفعة قيمة الفرد الحاصل على جنسيّة أجنبيّة، ومدى اليأس الَّذي يعيشه الفرد العربيُّ. وهذا الاختلاف في القيمة، صنعَتْه الحقوق الَّتي يتمتّع بها صاحب الجنسيّة الغربيّة، مقارَنةً بنظيره العربيّ؛ إذ برأي بعضهم “على قدْرِ حقوقِكَ تكُون قيمتك”. ولكن، ما لا يُدركه الكثير، أنّه “على قدْر حقوقك تَكثُرُ واجباتك أيضًا”. فرغبةُ الهجرة مفهومة في ظلّ نقص الحرّيّات، وزوال الأُفُق في كثير مِن الدُّول العربيّة. لكن الجنسيّة الغربيّة ليست مصباح علاء الدِّين كما يظنّ الكثير مِن راغبي/ات الهجرة، وأيضًا يترتّب عليها الكثير مِن الواجبات تجاه: المجتمع، والحفاظ على البيئة، واحترام حقوق الآخرين وحرّيّاتهم الشَّخصيّة في المعتقَد والميول واللُّبس، واحترام المرأة وفهم حقوقها وحقوق الطِّفل، وعدم القفز فوق النِّظام الصَّارم.

لاحظْتُ أنّ الحياة في الغرب ليستْ كما يظنُّ أغلب النَّاس في العالم العربيّ. ليستْ سهلةً إطلاقًا، عنوانُها العريض العمل ثمّ العمل ثمّ العمل. ثم إنّ التَّحدّي الأكبر أمام المُهاجر، هو اعتياد النِّظام الصَّارِم، وفهْم الواجبات قبل الحقوق.

إنَّ دَور الحكومة، هو خَلْق الفرص، مِن خلال تحفيز الصِّناعة والتِّجارة والسِّياحة. ودَور الفرد هو استغلال هذه الفرص، والعمل بجدٍّ لإثبات الذَّات والتَّطوّر الشخصيّ. فمثلًا: الاقتصاد الألمانيّ قويّ صُلْب، ويَظهر هذا جليًّا أمامك وحولك. فأينما تُوَلِّ وجهك، فهناك مصانع ومزارع وشركات وبنوك. ولهذا، الفرص موجودة. وفي المقابل، تَرعى النِّقابات العُمّاليّة حقوق العمّال في كلّ المجالات، وتقف بالمِرصاد للقطاعَيْن الخاصّ والعامّ؛ منْعًا لظُلم أيّ موظّف، ضمْن قوانين صارمة تَحفظ حقّه.

القطارات في الغرب ليستْ بالمجّان أيضًا. ولكنْ، مَن يَركب القطار دون شراء تذكرة يدفع “مخالَفة”. وقد يتطوّر الأمر ليصل إلى القضاء، الذي يأخذ بعين الاعتبار الظُّروف المادّيّة والإنسانيّة. لكنّه بالتَّأكيد، لن يُرمى الرَّاكب مِن القطار ليُفرَم تحت عجلاته، كما حصل أخيرًا في دولة عربيَّة. ثم إنّ هناك “تَذاكِر” مخفّضة الأجرة لفئات معيّنة في المجتمع، كالطُّلّاب والمُسنّين وذوي الاحتياجات. معَ العِلم أنّ أحكام القضاء في المُخالفات البسيطة، غالبًا ما تكُون لمصلحة خدمة المجتمع، كتنظيف الشَّوارع ورعاية المسنِّين وزراعة الأشجار… إلخ.

الجميل في الغرب، أنّ كلّ وظيفة مقدّرة ومحترمة في أغلب الحالات، إذ يندر أن يرفع أحد صوته على النَّادل إنْ تأخَّر في إحضار الطَّلب، وأن ينظر الطَّبيب بفوقيّة للمُزارع. فكلُّ واحد يَعرف أهمّيّة الآخر بالنِّسبة إلى المجتمع. وأيضًا وقلما تُعايَر الأُمّهات بوظائف أبنائهنّ، ولا يُرفَضُ الشَّابّ بسبب طبيعة عمله. وهذا نقيض ما يحصل على نحو متكرر من ضغط مجتمعيّ في الشَّرق، والَّذي يُلزِم الأفراد بفعل ما لا يريدونه. فالقانون يَكفل لكَ حرّيّتكَ الشَّخصيّة، وتُعتبر مَصُونة، ما دامت لم تتعرَّض لحرّيّات الآخرين.

العدالة تتجلّى في أبهى صُوَرها في التَّعليم، ابتداءً مِن الحِضانة الَّتي ترعاها الحكومة. وتتفاوت أُجور ما يدفعه الأهل لحضانات أبنائهم، تبعًا لدخلهم السَّنويّ، وهي تختلف من منطقة إلى أخرى. فذو الدَّخل الكافي يدفع مبلغًا لقاءَ هذه الخدمة، في الوقت الَّذي لا يكاد يَدفع صاحب الدَّخل المنخفض شيئًا. وهكذا، تجد الأطفال في الحضانة معًا مِن خلفيّات مختلفة، وأحيانًا يستمرّ بقاؤهم في المدرسة نفسها معًا، ثمّ في الجامعة أيضًا. وفي هذا، يحصل كلُّ أبناء الشَّعب على التَّعليم نفسه، وتُصبح الفرص أمامَهم مُتساويةً، وتبقى الكلمة الأخيرة لِمَن يجتهد، لا لِمَن يملك أكثر. صورةٌ مِن العدالة، أصبحَتْ غائبةً تمامًا في مجتمعاتنا العربيّة، إذ التَّعليم الحكوميّ في تراجُع، ومَن يملِكُ المال يلجأ إلى التَّعليم الخاصّ. فرزٌ طبقيٌّ تامٌّ لأبناء المجتمع، حيث الأغنياء يَحصلون على تعليم جيّد، ومِن ثَمّ فُرَص جيّدة في العمل، في حين تَقلّ حظوظ أبناء الطَّبقة المتوسّطة والفقيرة، في الفُرَص التَّعليميّة والوظيفيّة الجيّدة.

عبارة: “مَعْهُوش ميِلْزَمُوش”، قد تَصلح في ألمانيا ودول غربيّة أُخرى، عندما تتكلّم عن الكماليّات والملابس والمطاعم. أمّا الحاجات الأساسيّات مِن: تعليم وصحّة حتّى حليب الرُّضّع والحفّاظات، فيجب أنْ يجري تأمينه للجميع. واليوم، ونحن نشهد انتفاضات على الأوضاع السِّياسيّة والاقتصاديّة في العالَم العربيّ، وآخِرها ما يشهدُه لبنان والعراق؛ فمِن الجيّد أنْ نضعَ هذه النَّماذج النَّاجحة أمامَنا، ليس للتَّحفيز إلى الهجرة، بل لغرس الجيّد مِن تجارِب الأُمم الأُخرى في بلادنا، أملًا في دول أكثرَ عدالةً وأمنًا لأبنائها.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.