الرئيسية > رأي عام > مقالات > الخوف من المرأة لا عليها
أمل الحارثي (الأردن)

الخوف من المرأة لا عليها

الثلاثاء ٢٠٢٠/١٢/٢٢م   |   ١٤٤٢/٥/٨ هـ

قد يبدو مصطلح “العنف الاقتصادي ضد المرأة”، المنتشر في الأوساط النِّسوية والحقوقية جديدًا. وهو ليس بجديد؛ إذ المرأة تُحارَب بهدف إفقارها منذ قرون، وهذا ما أوضحَته “فرجينيا وولف” في كتابها “غرفة تخص المرء وحده”. والإفقار لا يشمل حرمان الميراث والتعليم الجيد وفرص الحياة وتجاربها فقط، بل يتعدى الأمر إلى حرمان استغلال المواهب الربّانية التي تتمتع بها النساء، بدافع ما يُعْرف بالغيرة أو العيب. فالمرأة الموهوبة في القرن السادس عشر -حسب ما توضح فرجينيا في كتابها- امرأة تعيسة، يمزقها صراع ضد نفسها وضد ظروف حياتها.

كلام فرجينيا عن المواهب فتح باب الذكريات عندي على مِصراعَيه، وذكَّرني بأن المرأة المبدِعة في العالم العربي المعاصر، لم تكن أحسن حالًا من تلك التي في القرن السادس عشر. فقد تعيش نساء حياة كاملة، ويَمُتْنَ دون استخدام موهبة ربانية أعطاها الله إيّاهنَّ، خوفًا من الناس والمجتمع.

لا يمكن أن أتحدث بالمواهب دون أن أذكر “نجوى”، وهي مساعِدة منزلية تعمل بالمُياوَمة. كانت تساعدني على أعمال التنظيف، خلال فترة إقامتي في بيتي في عمَّان أثناء الإجازة الصيفية. نجوى امرأة في بداية الثلاثين من عمرها، لكن تجاعيد وجهها وانحناء ظهرها وإنهاك جسدها، يوحي بأنها في الخمسينيات. هي أم لستة أطفال، أخبرتني عندما دخلَت بيتي أنها تعمل من أجل تأمين حليب لطفلها. زوجها موجود ولكنه هجرها، ومتزوج من امرأة أخرى، كحال آلاف من النساء المهجورات المنسيَّات. ترك لها البيت المستأجَر وستة أطفال بلا حليب ولا طعام، وغادَر. امرأة لم تتلقَّ تعليمًا ولا تدريبًا في حياتها، تترك أطفالها في عهدة أختهم الكبرى، التي لا يزيد عمرها عن عشر سنوات لتؤمِّن لهم اللقمة.

ذات يوم، وبينما نجوى تنظف الشبابيك، سمعتُ صوتها وهي تُغني. انتابتني حالة من الذهول، إذ إن صوتها يكاد يطابق صوت الأسطورة فيروز. ركضتُ من آخر البيت واقتربتُ منها دون أن تلاحظني، لم أسمع في حياتي صوتًا عذبًا كصوتها، لا حاجة لها إلى الموسيقى، فصوتها هو الموسيقى نفسها. هذه المرأة البائسة المنهَكة، حباها الله صوتًا يفُوق صوت أغلب المغنِّيات المعاصِرات جمالًا بلا أدنى شك، وبدل أن تكون في الإستوديو مع أفضل ملحِّن وأعظم عازف، تقف أمامي وبيدها خرقة جافة نصفها في داخل الحجرة ونصفها معلق في الخارج، تنتظرها ستة أفواه جائعة، أحدها لطفل حديث الولادة يحتاج إلى حليب، والآخر مُقعَد مِن جرَّاء سقوطه وفقدان العناية والاهتمام اللازمَين.

لماذا لا تستخدم المرأة موهبتها؟ لماذا فرّت من أمامي عندما عرضتُ عليها المساعدة؟ لأنها ببساطة لا تقْوَى على مواجهة جزء كبير من المجتمع، الذي يُصفِّق لها اليوم وهو يراها “تتعَرْبَش” (تتسلّق) على النوافذ لتنظيفها، والذي لن يهاجمها حتى وإن رآها تتسوَّل. المجتمع لا يمانع أن تعمل في بيت رجل غريب، لكنه سيجلدها إن جلسَت مع رجل حول طاولة في مكان عام، لمناقشة أغنية أو حفلة. هذا الجزء من المجتمع يريدها مسحوقة ضعيفة، وإن تُوفي أطفالها من الجوع، فلن يُقدم لها سوى التصفيق، أو الدعاء بالصبر في أحسن الأحوال.

النماذج من المواهب المهدرة لا تقتصر على نجوى وموهبتها في الغناء. فكل شاعرة وكل كاتبة وكل رسامة، تمر كل يوم بصراعات عظيمة بين ما تريد أن تبدعه وما هو مسموح لها به فعلًا. وقبل أن تَنشر، تُنقّح وتتراجع وتمحي وتُضيف. تختار الأساليب الملتوية للتعبير، وتبتعد عن المباشر. تتجنب الهجوم والمعارك، وقد تُقرر أن تعتزل. كل ذلك عندما تصل المعارك إلى عُقْر دارها، ويصبح الاستمرار مستحيلًا. ثم إنّ الأعمال الإبداعية المكتمِلة تحتاج إلى اكتمال التجارب ونضوجها، وهذا ما قد لا تصل إليه المرأة العربية، إلا إنْ كانت محظوظة أو مهاجرة تغلَّبَت على مخاوفها.

أليس غريبًا كل هذا التناقض؟ عندما تجري تعرية امرأة محترمة في الشارع -كما حصل في إحدى الدول العربية-، لا يُعاقَب الفاعل، بل وتتساهل القوانين مع المتحرش في الكثير من الدول، التي تدَّعي حماية الشرف، في الوقت الذي تُنتهَك فيه كرامة المرأة، إذا ما قررت أن تتصرف بنفسها كما تشاء. كل هذا يثبت أن بعض الأنظمة والحكومات لا تخاف على المرأة، بل تخاف منها. والمجتمع لا يغار عليها، بل يغار من تطورها وإبداعها. المجتمع يريد أن يُحْكم قبضته عليها وعلى جسدها ومواهبها، ويتعمد إفقارها وإضعافها بذرائع الحفاظ عليها.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.