الرئيسية > رأي عام > مقالات > الدِّين جزء من الوطن الأمّ
رشيد سعدي (المغرب)

الدِّين جزء من الوطن الأمّ

الإثنين ٢٠١٩/٢/١١م   |   ١٤٤٠/٦/٦ هـ

في إطار الأنشطة التي أقوم بها للمساهمة في التربية على المواطَنة، قُمتُ بإنجاز تجربة تعليمية مع مجموعة من طلاب مستوى التعليم الثانوي بمدينة “وجدة”، حول العلاقة بين الهُويّة الدينية والهوية الوطنية. يتعلَّق الأمر بتجربة معروفة تُسمَّى التعبير عن تراتبيَّة مكوِّنات الهُويّة، وأيضًا يتعلَّق بِسَرد كلِّ الهُويّات المكوِّنة للشخص، مثل: الدِّين، والوطن، واللغة، والإثنيّة، والجنس؛ ثم بإعادة ترتيبها داخل إطار تنازلي وأولوي، حسب الأهمية التي يَرتَئِيها الفرد.

تَهدف هذه التجربة التربوية، من خلال النقاش المفتوح، إلى جعل الطلاب يعبِّرون بِحرِّيّة عن فهمهم  لهُويّاتهم، وأيضًا إلى الكشف عن الهُويّات المعترَف بها، وتلك غير المعترَف بها. كذلك تَهدف هذه التجربة إلى إحداث تغيير إيجابي، من خلال خلق شعور بالتناغم بين مكوِّنات الهُويّة، وتَجاوُز العوائق الذهنية التي تَخلق سلوكيات إقصائية، تَحُول دون قبول الاختلاف، أو وعيِ المواطَنة الحاضنة للتنوّع. لا شك أن هذا النقاش يتجاوز فضاء المؤسَّسات التعليمة. فهو نقاش مجتمَعِيّ تَجْري إثارته في المغرب منذ عدة سنوات؛ كلَّما تَعلَّق الأمر بِبُروز هُويَّات جديدة، دينية، لغوية، جنسية، أو حتى مرتبطة بتحوُّلات الأجيال. وغالبًا ما يجري تمثيل هذه الهُويّات الجديدة، كتهديد لما يُسمّى “الهُويّة الجامعة”. وهي عبارة يكتنفها الكثير من الغموض، تُحيل على مجموعة من المسلَّمات، التي لم تَخضع لنقاش اجتماعي أو عِلميّ رصين.

ركَّزَت أغلب الإجابات على الأولوية المطلَقة للانتماء إلى الإسلام، بصفته الانتماء الأسمى، الذي يتجاوز كلَّ الهُويّات الأخرى: “نحن كلُّنا مسلمون، وكلُّ المواطنين مسلمون”. أثار النقاش مجموعة أسئلة حول تَنوُّع الإسلام، ووجود أقلِّيّات غير مسلمة في المغرب، إضافة إلى وجود مغاربة غير مسلمين، اعتنقوا أديانًا أخرى، أو أصبحوا لادِينيِّين. الكثير من آراء الطلبة تَعتبر أن المُواطن المغربي مسلم “سُنِّي مالِكِيّ” بطبيعته، وأن الهُويّات الأخرى -دينية كانت أو لادينيّة- ليست إلّا “سِلعة مستورَدة”، أو “غزْوًا فكريًّا”.

يَطرح هذا النقاش أسئلةً حول العلاقة بين الدِّين والوطن، وأيُّهما أشملُ للآخر، وأيضًا حول مكانة الدين داخل الهُويّات المتعدِّدة، بل أَإِنْ كان الدِّين يشكِّل حقًّا نَوعًا من الهُويّة.

لا شك أن البشرية تنتقل منذ عقود، بفِعل التفاعلات الحضارية والتحوُّلات السياسية، إلى مرحلة الهُويات المتعددة، المفتوحة، والمتحوِّلة. فأصبح الأفراد أكثر ميلًا نحو القيام بخيارات شخصية، ولم تَعُد الهُوية حتميّة اجتماعية، بل خيارًا وُجوديًّا. لذا، أعتقد أن انتماءنا الدِّيني يجب ألَّا يَخلق لدينا “وعيًا شِقِّيًّا”، بوجود تصادُم بين تصوُّرنا المُقدَّم حول الهُويّة وواقع التعدُّدية والاختلاف، الذي أصبح مصير كلِّ المجتمعات. ثم إننا مطالَبون -على مستوى التنشئة التربوية والإعلامية- ببِناء انسجام فِكريّ عميق، بين الانتماء الديني للفرد، والتعدُّد الهُويّاتي داخل مجتمعاتنا. بمعنى آخر، علينا أن ننتقل من الهُوية الدينية الإقصائية، إلى الهُوية الدينية المستوعِبة للاختلاف، المتجاوزة لمنطق التسامح إلى منطق الاعتراف.

لكني أعتقد أيضًا أن ذلك قد يتطلّب تغييرًا عميقًا لطريقة فهمنا للهُوية الدينية، التي يجب ألّا تَعني فقط ما يميِّزنا دينيًّا عن الآخرين، بل أن تكُون نوعًا من الحكمة الأخلاقية، التي تعلِّمنا أن التنوّع أو الاختلاف في كلِّ مَناحيه، هو جزء من طبيعة البشر والمجتمعات. عندها، يمكن أن نَفهم أن الدِّين لا يمتلك أية سُلطة مادية، وأنه جزء من الاختيارات التي يُمكن أن يقوم بها الفرد أو الجماعة.

هكذا، يمكن أن يصبح الانتماء الديني من دعائم المواطَنة وأُسُس التماسك المدني للمجتمعات، وتتحوَّل العقائد الدينية المتعالية إلى “أخلاق مدنيّة”، تُكرِّس الاعتراف المتبادل بين المواطنين. عندها، نستطيع أن نُعيد بناء مفهوم “الهُويّة الجامعة”، بمعنى مبدأ العيش معًا الذي لا يتصادم مع فرادة الأفراد والجماعات، والذي يسمو فوق كلِّ الولاءات والانتماءات الخاصة. يمكن أن نقول: إنه إنْ كان الوطن أمًّا، فإن الأم بطبيعتها لا تُميِّز بين أبنائها، مَهْما اختلفوا وتنوَّعُوا.

أقول بكلِّ بساطة: إن الدِّين جزء من الوطن وقطعة منه، لكنه لا يمكن أن يكُون الوطنَ كلَّه. من جهة أخرى، قد يكون الدين أيضًا الوطنَ كلَّه، إذا نحن عِشنا ديننا كانتماء نِسبيّ. وأقصد هنا أن معيار حقيقة العقيدة الدينيّة يتأسس داخل الجماعة العقائدية ويتحدد داخلها، وبالنسبة لي، هذا الوعي بنسبيّة أدياننا يمنحها قدرة على التواضع من أجل تفادي  السلوكيّات المتطرفة  التي تميل إلى الهيمنة،

الوعي بنسبيّة أدياننا يجعلنا ننفتح بل ونحبُّ هذا التنوّع الرائع في اللغة والمذاهب والعقائد والأجناس، كأنه دليل على أن المطلَق لا يتجلَّى لنا، إلّا متعدِّدًا وممتلِئًا بالأسرار.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.