الرئيسية > رأي عام > مقالات > الرَّمزيّة في طَقْس رجْم الشَّيطان
مهند خورشيد (ألمانيا)

الرَّمزيّة في طَقْس رجْم الشَّيطان

الجمعة ٢٠١٩/٨/٠٩م   |   ١٤٤٠/١٢/٨ هـ

يرجع طقس رجم الجمرات الثلاثة، في نهاية مناسك الحج، إلى الرِّواية الإسلاميّة التي حكتْ اعتراض الشيطان لإبراهيم عليه السلام عند جمرة العقبة ثم الجمرة الوسطى فالجمرة القصوى، حيث رجم إبراهيم الشيطان في كل مرة بسبع حصيات. ليُصبح بعدها منسك رمي جمرة العقبة في أوّل أيّام عيد الأضحى ثم رمي الجمرات الثلاثة، الكبرى والوسطى والصغرى، أيّام التّشريق الثّلاثة، وهي ثاني وثالث ورابع أيام عيد الأضحى، من مناسك الحج اقتداءً بفعل أبي الأنبياء عليه السلام.

هناك من الحُجَّاج من يعتقد أنّ الشّيطان يقف فعلاً عند الجمرات، فتراه يكون معنياً برمي الجمرات بقوة، وبتوجيه الإهانات والشتائم للشيطان، وربما رماه أحدهم بحذاء أو غيره للتسبب بأكبر أذىً مادي أو معنوي ممكن له.

لكن الشيطان رمزٌ لذلك الجنوح للشر الذي يقطن داخل الإنسان. وهناك من يتساءل لماذا خلق الله الإنسان بهذا الجنوح السلبي، لماذا لم يخلقه إنساناً كاملاً لا يريد إلا الخير؟ ذلك لأنَّ الإنسان، خِلافاً لباقي المخلوقات، مخلوقٌ يتمتع بالحريّة، فهو إذاً ليس مبرمجاً على فعل الخير أو الشر، بل هو صاحب قراره، يختار لنفسه ويقرر بحريته. فحرية الإنسان هي ذلك البعد المؤسس لإنسانية الإنسان ولكونه يتحمل مسؤولية تصرفاته ويكتب تاريخه بيده. لكن الحريّة كما عرَّفها الفلاسفة ليست مُجرَّد اختيارِ الإنسان ما يشاء، بل هي اختيار الأعقل. إذن لا بد كي أتمكن من اختيار الأعقل أن أكون قد حرَّرتُ نفسي من كل ما قد يقف عائقاً في طريق رُؤية واضحة للأمور. وهنا يتحدث الدين عن ضرورة تزكيّة النّفس التي تتخذ منحيين: تسليحها بمعاني الجمال والكمال، من قبيل المحبة واحترام الآخر والصّدق والصّبر والتضحيّة وغيرها؛ إضافة إلى تخليصها من كل معاني النقصان والسلبيّة، من قبيل الحسد والأنانيّة والكُره وغيرها. إنَّ الشيطان هو رمز لمعاني النقصان والسلبيّة هذه، وهي معاني موجودة في كل إنسان، أحياناً يسيطر هو عليها وأحياناً أخرى تسيطر هي عليه. وهنا تأتي رمزيّة منسك الرجم، إنه بمثابة إعلان داخلي بين الإنسان ونفسه أنه لن يدع معاني النقصان والسلبيّة تسيطر عليه بعد اليوم، لن يدع لها الكلمة الأخيرة، بل سيقصيها من داخله ولن تجد طريقاً إليه بعد اليوم. إن رمزيّة الرجم تكمن في إعلان إرادة انتصار الخير على الشر داخل الإنسان، وقد أعطى القرآن بعض الأمثلة لمعاني الشر التي لا يكون الإنسان قد أدى مناسك الحج على صورتها المطلوبة إن لم يكن قد أقصاها: “فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج” (الحج 22: 197)، ورمز الرسول الكريم عليه السلام لمن حجّ وأعلن عن انتصار إرادة الخير على الشر في داخله ببداية صفحة جديدة خالية من معاني النقصان: “منْ حجَّ فَلَم يرْفُثْ، وَلَم يفْسُقْ، رجَع كَيَومِ ولَدتْهُ أُمُّهُ”.

لكننا لن نتمكن من تفعيل هذه المعاني الروحانيّة والأخلاقيّة لمناسك الحج وغيرها من الطّقوس الدينيّة إلا إذا نظرنا لما وراء رمزيتها، أمَّا الوقوف عند ظاهرها فلن يُؤدّي سوى إلى إفراغها من معانيها العميقة، فتجد البعض مثلاً ينشغل بوضع قائمة لوصف حجم الحجارة التي يجوز الرجم بها، ومكان تجميعها، وجهة وقوف الراجم وقت الرجم، وما الذي عليه أن يقوله قبل الرجم وأثناءه وبعده. لكن التركيز على هذه التفاصيل قد يجعلها هدفاً في ذاتها يُغَيِّبُ كل تلك المعاني الروحانيّة والأخلاقيّة للشعائر التعبديّة.

إنَّ التحدي الحقيقي الذي نقف أمامه هو طغيان الخطاب الفقهي على الروحاني الأخلاقي. فالخطاب الفقهي يتعامل مع الشعائر الدينيّة من مُنطلق تقرير أحكامها، فإذا طغى هذا الخطاب تحوّلتْ الشّعائر الدينيّة لمنظومة قانونيّة يلتزم بها المؤمن التزاماً قانونياً، لا التزامًا روحانيًّا وأخلاقيًّا. لكن ما الذي سيبقي من الدين إذا فرغ من رسالته الروحيّة والأخلاقيّة؟

نحن اليوم في حاجةٍ إلى إحياءِ رُوح الدِّين، من خلال إعادة طرح السُّؤال عن موضوع الإنسان. فالدِّين بكلِّ عقائده وشعائره ونُظُمه، جاء ليخدم إنسانيّة الإنسان. وكلُّ فهمٍ أو تطبيقٍ يَصبُّ في هذا المقصد الأسمى للدِّين، فهو من مُراد الله، وكلُّ فهمٍ أو تطبيقٍ للدِّين يتعارض مع إنسانيّة الإنسان، فلا بدَّ من طرحه جانبًا. وكلَّما ارتقى الإنسان بإنسانيّته، تَمكّن من الارتقاءِ في فهمهِ وتطبيقهِ لدينه. فبذلك، يكُون سؤال التَّديّن ملاصقًا لسؤالِ الارتقاء بـ”الإنسانيّة”. وهذه الأخيرة هي معيار صحَّةِ التَّديّن، وصحَّةِ تطبيق الدِّين في حياة الفرد والمجتمع. وهذا يتطلَّب منّا العمل الدَّؤوب، على إعادة فهم الطُّقوس والشَّعائر الدِّينيّة، في ضوء كلِّ ما يَصبُّ في خير الإنسانيّة أفرادًا وجماعات.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.