الرئيسية > رأي عام > مقالات > السماء ليست حكرًا على أحد
مهند خورشيد (ألمانيا)

السماء ليست حكرًا على أحد

الإثنين ٢٠٢٠/١١/٠٩م   |   ١٤٤٢/٣/٢٤ هـ

لقد قرر القرآن الكريم أنه لا يحق لإنسان أن يأخذ دور الإله، فيَحكم على إنسان آخر أو أهل دين أو ملة أخرى بدخول النار؛ إذ الله وحده مَن له حق الحكم بين الناس: {إن الذين آمَنُوا والذين هادُوا والصابِئِين والنصارى والمَجُوس والذين أَشْرَكُوا إنَّ الله يَفْصِل بينهم يوم القيامة إنَّ الله على كل شيء شَهِيد} [الحج: 17]. أيضًا سجّل اعتراضًا على كل من يحاول احتكار الحقيقة المطلقة لنفسه أو لدينه: {وقالت اليهودُ ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شَيْءٍ وهُمْ يَتْلُون الكِتابَ كذلك قال الذين لا يَعلمون مِثْلَ قَولِهم فاللهُ يَحكُم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يَختلفون} [البقرة: 113]. ولو أتمَمْنا فهم الآية في حق المسلمين، لوجَدْنا أنها تعاتب من يدَّعي منهم أن اليهود والنصارى ليسُوا على شيء. بل على العكس من ذلك، فقد ترك لنا القرآن آيات تدعو المسلم إلى أن يرجو لغيره الرحمة في الدنيا والآخرة: {إن الذين آمَنُوا والذين هادُوا والنصارى والصابِئِين مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخِر وعَمِلَ صالحًا فلَهُمْ أجْرُهُم عند ربِّهم ولا خَوفٌ عليهم ولا هم يَحْزَنُون} [البقرة: 62].

القرآن يؤكد أن التعددية الدينية والمذهبية مَظهر من مظاهر إرادة الله: {لِكُلٍّ جَعلْنا مِنْكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ولَوْ شاء اللهُ لَجَعلَكُم أُمَّةً واحِدة} [المائدة: 48]. فقد رفض القرآن ادعاء أحدٍ امتلاك الحقيقة المطلقة، لأن الحق هو اسم من أسمائه تعالى، فلا يجوز لأحد ادعاء الإحاطة بالله أو امتلاكه. لذا، نظل جميعًا -مهْما كانت أدياننا واعتقاداتنا- باحثين عن الحقيقة بكل تواضع، دون ادعاء قدرة خاصة على حيازتها دون الآخرين. إذن، المعيار الذي من خلاله يحاسب بعضنا بعضًا، ليس معيار الهوية الدينية، وأيضًا ليس معيار ادعاء امتلاك الحق، بل هو معيار أخلاقي عملي يدور حول مدى تحقيق إنسانية الإنسان. وهذا ما أكدته مجموعة من أقوال الرسول (عليه السلام)، مثل: “إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنَكُم أخلاقًا”، و”ما مِن شيء أثْقَل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حُسن الخُلق”.

لا يمكن اعتبار الانتماء إلى دين ما معيارًا صحيحًا للمفاضلة بين الناس، بل إن الصلاح الفردي والاجتماعي هو المعيار الصحيح والفاصل. ولذلك، أكد الله تعالى في القرآن: {إنَّ أَكْرمَكُم عند الله أَتْقاكُم}، وجاء في حديث الرسول: “التقوى ها هنا”، حيث أشار -عليه السلام- إلى قلبه مكرِّرًا العبارة ثلاث مرات. فالتقوى مِن عملِ القلب، أي بلُغتنا اليوم: ضمير الإنسان وداخله، الذي يُعبِّر عنه أخلاقه وتصرفاته إزاء الآخر.

قد يظن بعضهم أن الخوض في سؤال المصير النهائي -أو الخلاص كما يسميه بعضهم-، مجرد ترفٍ فكري، لكن الواقع يُظهر الأبعاد السياسية والاجتماعية بل والأمنية لهذا السؤال. فالذي يظن أنه وحده يملك الحق في دخول الجنة، غالبًا ما ينظر إلى الآخرين بعين الازدراء، فهو يظن أن انتماءه إلى دينه يجعله أفضل من غيره، فيتعامل معه من منطلق ازدواجية أخلاقية: “يحق لي ما لا يحق لك”. فمثلًا يحق للمسلمين في الغرب أن تكون لهم مساجدهم الخاصة، وفي بعض البلاد لهم الحق في إنشاء مقابر، وأيضًا يتمتعون بحقوق أخرى كثيرة تحت شعار حرية الدين بوصفها حقًّا إنسانيًّا. ففي بلاد أعمل فيها مثل ألمانيا والنمسا، يجري تدريس الدين الإسلامي في المدارس الحكومية من قبل مدرسين/ات مسلمين/ات، وتتكفل الدولة بتأمين الإعداد الأكاديمي لهؤلاء، وأيضًا تتكفل بشراء الكتب الدينية للطلاب والطالبات.

إنَّ السؤال المطروح الآن: هل حين يصر المسلم على الدفاع عن حقه في حرية التدين في أوروبا، يدافع في ذات الوقت عن حق الآخر في ممارسته لدينه وبناء كنائسه ودور عبادته في البلاد الإسلامية أيضًا؟ نحن نصفُ كل من ينتقد الإسلام في أوروبا بالعنصرية وكراهية الدين، ونكرِّس لذلك مصطلح الإسلاموفوبيا، لكننا في معظم بلادنا الإسلامية نعلِّم طلابنا وطالباتنا في المدارس أن كل دين آخر سوى الإسلام هو هرطقة، وكتابه المقدس مزوَّر أو محرَّف، وعقائده كلها تخاريف، وغير ذلك من أشكال خطاب الانتقاص. ولكن، أليس هذا خطابًا عنصريًّا يكرِّس الكراهية؟ أليس دعاؤنا المتكرر في كثير من منابرنا الجُمَعية على غير المسلم، تعبيرًا عن هذه الثنائية الأخلاقية؟

إنَّ ما فهمتُه من القرآن لا ينتمي إلى العنصرية ولا إلى التحيز الديني، بل هو خطاب إنساني. فهل يسألنا الله عن دين الآخرين ويحاسبنا على ما تديَّنوا به؟ أم هل يسألنا عن كيفية تعاملنا نحن مع التعددية الدينية؟ أليست كيفية التعامل مع التعددية هي مِحكُّ اختبار المصداقية الأخلاقية ومِن ثَمَّ الدينية؟ فهل أتبنَّى هذا الموقف أو ذلك من أجل مصلحتي فقط، أم من باب المبدأ، حيث أرجو لغيري ما أرجوه لنفسي؟ هذا هو محكُّ التدين الحقيقي. ولذلك، قال الرسول (عليه السلام): “لا يؤْمن أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه”. فأخُ الإنسان هو أخوه في الإنسانية، ومن آخر كلمات الرسول في حجة الوداع: “كُلُّكم لآدم وآدمُ من تراب”.

إن هذا الميثاق الاجتماعي، هو ما دعت إليه الأديان والملل.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.