الرئيسية > رأي عام > مقالات > الصهيونية ومعضلة السلام
عامر الحافي (الأردن)

الصهيونية ومعضلة السلام

الإثنين ٢٠٢٠/٢/٠٣م   |   ١٤٤١/٦/٩ هـ

اِستَفزَّت صفقة العصر التي أعلنها الرئيس الأميركي “ترامب”، مشاعرَ كثير من العرب والمسلمين وانفعالاتهم، بسبب ما تضمَّنَته من شروط مجحفة بحقِّ الفلسطينيين، إضافةً إلى ما سبق الصفقة من نقل للسفارة الأميركية إلى القدس واعتبارها العاصمة الأبدية لليهود، وتأييد يهودية الدولة، ودعم ضمِّ الجولان السُّوري المحتل، وتَواصُل الدعمَين العسكري والسياسي المنقطِعَيِ النظير لإسرائيل. كلُّ ذلك عَمّق قناعات كثير من المسلمين بفكرة “الولاء العَقَدِيّ” بين اليهود والنصارى (المسيحيين)، باعتباره حقيقة تاريخية، وأنَّ الصراع في فلسطين هو صراع ديني عَقَدِيّ في جوهره وغايته.
لقد أكَّدَت “صفقة العصر”، أنَّ بعض “مشاريع السلام” يمْكن أن تكُون “جريمة”، لا تقلُّ سُوءًا عن ممارسات الاحتلال والعنف، وسياسات الضم والتهويد للأراضي الفلسطينية المحتلة، والفصل العنصري، والخروج على الشرعية الدُّوَلية والقرارات الأُمَميّة. أيضًا عزَّزَت قناعة كثير من الفلسطينيين والعرب، بأن الصهيونية تتناقض جوهريًّا مع فكرة السلام. فهي عقيدة تقُوم على الاحتلال والإحلال الدِّيموغرافي، وتوظيف عقيدة الوعد الإلهي للشعب اليهودي بأرض فلسطين. أيضًا يدرك كلُّ باحث جدي في الفكر الديني والسياسي، أن الانحياز الأميركي الفاضح إلى إسرائيل، والاستخفاف بخصوصية القضية الفلسطينية وما تشتمل عليه القُدس من كثافة دينية وحضارية لدى المسلمين والمسيحيين؛ مِن شأن ذلك أن يؤسِّس لِمَوجات جديدة من العنف والصراعات ذات الصِّبغة الدينية.
يمْكن لأيِّ صفقة للسلام أن تريح ضمائر كثير من اليهود الصهاينة، الذين استَولوا على منازل الفلسطينيين وأراضِيهم، أو تُخفِّف أيضًا من قلق كثير من الغربيِّين، الذين أسهمت بلدانهم في دعم المشروع الصهيوني منذ وعد بلفور حتى وقتنا الراهن. لكنَّ أيَّ صفقة لا تعيد الحقوق لأصحابها، ليست سوى استمرار للعدوان ومكافأة للمعتدين. وعلى المستوى الديني، لا يختلف الصهاينة المسيحيون الذين يرَون في إقامة دولة إسرائيل خطوةً في طريق المجيء الثاني لِلمسيح، عن الصهاينة اليهود الذين يرَون في الحركة الصهيونية العلمانية مشروعًا يمهِّد لمجيء “المسيا” (أيِ المسيح) وعودة مملكة داوود. وهذا التمازج الأصولي يؤكد التداخل المعقّد بين الصهيونية العلمانية والصهيونية الدينية بشِقَّيها اليهودي والمسيحي، ويمثِّل أنموذجًا محرِّكًا ومُلهِمًا لبعض أشكال العنف والتطرف الديني في سياقاتنا الإسلامية.
في السياق الديني، يبدأ السلام في الكتاب المقدس بالسلام الروحي الداخلي الذي يناله الأتقياء، ثم يمتد إلى السلام مع الأعداء، الذي يمنحه الله للإنسان الذي يسعى إلى مرضاته: “إذا أرضتِ الرب طرق إنسانٍ، جعل أعداءه أيضًا يُسالِمُونه” (أمثال 16: 7). ويجمع سِفْر زكريا بين “السلام والحقِّ”، فيقول: “اقضوا بالحقِّ وقضَاءِ السَّلام في أبوابكم” (زكريا 8: 16). فلا سلام دون القضاء بالحقِّ؛ والحقُّ الذي لا يعزِّز السلام بين الناس لا يزيد الإنسان إلَّا شقاءً. ولعلَّ أرقى تَمثُّلات الحقِّ على المستوى الاجتماع البشري، يتمثَّل بتحقيق العدل وإنصاف المظلومين.
إضافةً إلى المعنى الروحي والجوّاني للسلام، فإنَّ السلام بمعناه الأشمل يتطلَّب بذل طاقات كبيرة، لا تقلُّ أهمِّيّةً عن تلك التي يبذلها دعاة الحروب والقتال. وهنا، يمْكن أن نفهم كلام المسيح: “لا تظنُّوا أني جئت لألقي سلامًا على الأَرض. ما جئتُ لِأُلقِيَ سلَامًا بل سيفًا” (مت 10: 34). فالسيف لا يشير إلى العنف، وإنما يشير إلى قساوة تحقيق العدل المُوافِق للحقِّ، والذي يتماهى مع السلام بمعناه الأعمق. أيضًا يتجلَّى مفهوم السلام بصيغته الأخروية الخلاصية، عندما يسكن الذئب مع الحَمَل في نهاية الزمان: “فيَسكنُ الذئبُ مع الخروف، ويربض النَّمر مع الجديِ” (إشَعْياء 11: 6). وهنا، نجد ارتباطًا وثيقًا بين تحقيق السلام ونهاية الزمان، وما يَسبق السلام من وقوع حرب فاصلة بين الخير والشر، وظهور شخصيات عَقَدِيَّة منتظَرة. وهو الأمر الذي جعل مفهوم السلام في الفكر الديني، مفهومًا ملتبسًا بالميتافيزيقيا والمعجزات، ومنفصلًا في الوقت ذاته عن تَبيُّن أسباب الصراع، ومعرفة ما وراءه من مصالح ومنافع دنيوية.
من الإنصافِ الاعترافُ بوجود اختلاف، في موقف الفكر اليهوديّ الديني من السلام. فـ”الحفاظ على النفس” (تعريب لمصطَلَح عِبْرِيّ “بِكوَّح نيفش”)، وتقديمه على الحفاظ على الأرض، ما يزال يمثِّل قناعة بين بعض الاتجاهات الدينية اليهودية، فضلًا عن رفض بعض تلك الاتجاهات للصهيونية جملةً وتفصيلًا، كما هو حال حركة “ناطوري كارتا” اليهودية.
إنّ مفهوم “السلام العادل”، لا يقلُّ التباسًا -على مستوى الممارسة- عن مفهوم “الحرب العادلة”. فالسلام الذي يُقرُّ الاحتلال والعدوان، يمثِّل استكمالًا للحرب وفصلًا جديدًا من فصولها، وليس إنهاءً لها أو بديلًا عنها. وسيبقى تحقيق السلام العادل للشعب الفلسطيني، يمثِّل تحدِّيًا كبيرًا للقيم الأخلاقية الإنسانية، وهو أيضًا دليل على نضج البشرية، وقدرتها على بناء العدالة والوئام الحقيقي بين الأمم والشعوب.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.