الرئيسية > رأي عام > مقالات > الصيام: ممارسة روحية اجتماعية
مهند خورشيد (ألمانيا)

الصيام: ممارسة روحية اجتماعية

الإثنين ٢٠١٩/٥/٠٦م   |   ١٤٤٠/٩/٢ هـ

فُرض صوم شهر رمضان المبارك في السنة الثانية بعد الهجرة، وذلك حين نزلَت آيات سورة البقرة (١٨٢-١٨٧). ولقد جرَت العادة بقراءة هذه الآيات قراءة فقهيَّة بَحْتة، بُغية استنباط هذا الحُكم أو ذلك، المتعلِّق بالصيام. فبَعْد أن وردت فرضيّة الصيام في الآية ١٨٣: {يَا أيّها الَّذين آمنوا كُتِبَ عليكم الصّيامُ كما كتب على الَّذين من قبلكم لعلَّكم تتَّقونَ}، لَحِقَ ذلك مباشرة ذكْر أولئك الذين يَشقُّ عليهم الصيام من مَرْضى ومسافرين. فأعفاهم القرآن منه.

إنْ قرَأنا هذه الآيات قراءة روحانية اجتماعية، أيْ قراءة تتأمَّل الصيام كمُمارَسة روحية واجتماعية، فسيَلْفِت نظرَنا أمران: الأول يتعلق بصورة هذا الإله الذي فرض الصيام. فمِمَّا يبدو في الوهلة الأولى، أنه إله يَفرض أمرًا شاقًّا، وكأنه يريد المشقة لذاتها. لكننا نجد أن أوَّل ما اعتنى به هذا الإله بعد أن فرض الصيام في الآية ١٨٣، هو حال الضعفاء الذين سيَشقّ عليهم ذلك، وأكَّد في الآية ١٨٥: {يريد اللهُ بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}. فتتجلَّى هنا صورة ذلك الإله العَطُوف، والذي أكَّد في الآية التالية قُربه من الإنسان: {وإذَا سألكَ عبادي عنّي فإنّي قريبٌ أُجيبُ دعوةَ الدَّاعِ إذا دَعَانِ}. فمِن اللّافت للنظر إذًا، أن إرادة اليُسْر الإلهي، تجلَّت في القرآن في سياق فرضية الصيام.

أمَّا الأمر الثاني اللّافت للنظر، والذي له بُعد اجتماعي، فهو أن القرآن قد فرض إطعام المساكين كبديل لمن لا يستطيع الصيام: {وعلى الذين يُطِيقُونه فِديَةٌ طعامُ مسكين}. فلِكَون بديل الصيام هو عمل اجتماعي، فهو يدعونا إلى أن نفهم الصيام، ليس فقط كممارسة روحية بَحْتة، بل واجتماعية في ذات الوقت. وهنا تتلاقى الصورتان: صورة الإله المُحبِّ الرحيم، الذي يهمُّه أمر الضعفاء والمُعانِين، وصورة الصيام كممارسة اجتماعية، لتكريس قيم الخير والمحبة بين الناس.

هكذا، يصبح معنى الصيام أعمق بكثير، من مجرَّد المعنى المادي، أي الابتعاد عن الطعام والشراب، أو حتى مجرَّد المعنى الأخلاقي السَّلبي، أي الحرص على عدم الكذب أو الغيبة أو النميمة أثناء الصيام؛ ليكتسب معنًى روحيًّا اجتماعيًّا، يدعو الصائم إلى أن يُحقِّق من خلال صيامه -لِكَونه هو تلك اليد التي بها تتحقق إرادة الله، التي يَعنيها قبل كلِّ شيء-، مساعدةَ الضعفاء وجبر خواطر المُعانِين. فالتقرّب من الله، يكُون إذًا بالتقرب من الضعفاء والمساكين، وبالعمل على توفير الشروط الاجتماعية لتكريس القيم الإنسانية. وهنا، علينا أن نوَسّع مفهوم المساكين والضعفاء، خارج النِّطاق المادِّيّ. فكُلُّ مظلوم، وكلُّ من لا يتمتع بحقوقه كإنسان حُرّ مُكرَّم، هو ضعيف. كذلك، فإن المجتمع الذي تَنقصه شروط التنمية والتعليم، فهو أيضًا مجتمع ضعيف.

وعليه، يُصبح رمضان شهرًا لمساءلة الذات الفردية والذات الجمعية على السواء، عن دورهما في الدفاع عن قيم الإنسانية وتحقيق العدالة، خاصة في مجتمعاتنا العربية، التي تُمارَس فيها الشعائر الدينية من صيام وصلاة وحجّ وغيرها، ويُحرص فيها على اتِّباع التعاليم الفقهية بدِقَّتها. فتنتشر مثلًا خاصة في رمضان فتاوى الصيام، والتي لا تَترك صغيرة ولا كبيرة إلَّا وتتعرَّض لها. وفي نفس الوقت، لا نجد دائمًا ذلك الصدى الاجتماعي لهذه الممارسات.

لذلك، تُلحّ علينا ضرورة إعادة التفكُّر في مفهوم الشعائر الدينية كالصيام، وكيفية إمكانية إعادة فهمها كممارسات روحية واجتماعية، وعدم حصرها في أنها مجرد الطريق إلى الخلاص الشخصي. ثم إن مفهوم الخلاص، أو النجاة، أو السعادة الأزلية، لا تطرحه الأديان السماوية على أنه يُحصَّل، دون أن يكون الإنسان قد قدَّم مساهمة إيجابية لمجتمعه، من خلال عمله الصالح (كلٌّ في سياقه ووَفْق قدراته المتاحة له). فالقرآن يُصرُّ دائمًا على أن الإيمان والعمل الصالح، تَوأمان لا ينفصلان: {الذين آمَنُوا وعمِلُوا الصالحات}. فلا إيمان دون عمل صالح، كذلك لا صيام دون أن يكون له بُعد اجتماعي صالح.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.