الرئيسية > رأي عام > مقالات > العصفور لن يعود إلى قفصه لأجل الفتات
وجدان بو عبدالله (تونس)

العصفور لن يعود إلى قفصه لأجل الفتات

الثلاثاء ٢٠١٩/١٠/١٥م   |   ١٤٤١/٢/١٦ هـ

اِنتهت الانتخابات في تونس بشقَّيْها الرِّئاسيِّ والتَّشريعيّ، بعد ماراثون ديمقراطيٍّ استمرَّ شهرًا. لكنّ الدُّروس المستخلَصة منها لم تنتهِ بعدُ. فالدِّيمقراطيّة بوصفها حُكم الشَّعب نفسَه بنفسه، هي قرينة الانتخابات، ولا يمكن فصل الموضوعَين حتى بالدَّبَّابات.
تتعثَّر الدِّيمقراطيّات الفَتيّة في العالم شرقًا وغربًا، كلَّما سيطر على الانتخابات وجْهٌ بعينه، حين تأخذه العزَّة بالحُكم، وكلَّما لعبَتِ “الأيادي” في صناديق الاقتراع لترجيح كفَّة على حساب أخرى، وكلَّما استُبعد مرشَّح(ة) أو مجموعة مرشَّحين/ات لفسح المجال أمام اسْمٍ بعينه. إرهاصات العمليّة الدِّيمقراطيَّة ها هنا تتعرَّض لضربات موجعة، تتغيَّر بَعدها أشكال الدَّولة، من أنموذج حُكم تَشارُكيٍّ -السُّلطةُ فيه قادمةٌ من إرادة الشَّعب-، إلى حُكم سُلطويٍّ استبداديٍّ يُقصي إرادة الشَّعب، ويُنصب نفسَه وصيًّا عليه.
في التَّجربة التُّونسيَّة الماضية في طريق الدِّيمقراطيَّة منذ 9 أعوام، ورغم الصُّعوبات المرحليَّة، والوضع الإقليميِّ الرَّاهن؛ تبدو العزيمةُ على التَّمسُّك بالمسار الدِّيمقراطيِّ أكثر وضوحًا، رغم الهزَّات الاقتصاديّة المتلاحقة والاحتجاجات الاجتماعيَّة. فالانتخابات الرِّئاسيّة والتَّشريعيَّة الأخيرة (أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر 2019)، والّتي فاز فيها قيس سعيّد رئيسًا للجمهوريّة، حيث جِيءَ بِبَرلمان جديد، تقلَّصت فيه مقاعد أحزاب عريقة وتَبدَّد حضور أخرى – جاءت بدروس جديدة للدَّاخل، كما للخارج.
الدَّرس الأوَّل المستخلَص: الشَّباب هم أصحاب القرار، وعُزوفهم عن التّصويت في الدَّور الأوَّل من الانتخابات الرِّئاسيَّة، أرسل برسائل قويَّة إلى مُرشَّحي الأحزاب، بأنَّ ثقتهم بهم قد عُدِمَت. وفي الدَّور الثَّاني من الرِّئاسيَّات، ارتفعَت نسبة المشاركة في الانتخابات إلى 60٪، وصوَّت فيها الشَّباب بكثافة للمرشَّح الذي فاز.
قرَّر شباب/شابّات تونس أن يختاروا رئيسًا للبلاد. فكانت الكلمة كلمتهم، والقرار قرارهم. والأحزاب القويّة لم تستطع قطع الطَّريق أمامهم ولا استمالتهم، لا بالمال ولا بالخطاب الإعلاميِّ المتلوِّن، الَّذي تَخندق في جزء منه خلْف مرشَّح بعينه. التَّنصُّل من قيم الدِّيمقراطيّة، بالتَّناحر السِّياسيّ على السُّلطة، وفسح المجال أمام حِيتان الفساد لتتكاثر، ولّدَا عُزوفًا من النَّاخبين الشُّبّان/الشّابّات عن الانتخاب، تَطوَّر لاحقًا ليصبح تصويتًا عقابيًّا، لمصلحة مرشَّح لا مرجعيّة حزبيّة له، ولا معاضَدة سياسيّة له من تيّار سياسيّ بعينه.
الشَّخصيّة الشَّبابيّة وسط المَشهد الدِّيمقراطيّ في تونس، ليست في الهامش. إنَّها المِحور، وهذا في حدِّ ذاته رسالة لافتة للشَّباب في المنطقة العربيّة. فبَعد 9 سنوات من قيام الثَّورة، ها هي الشَّخصيّة الشَّبابيّة تُصقَل، وتتمكّن كلَّ يوم أكثر فأكثر. فباتت أكثر تطلُّبًا من الجيل الَّذي أطاح ابْنَ عليٍّ. فالوعود الانتخابيّة ما عادت تنطلي على الجيل، وتهميشُه ما عاد مسكوتًا عنه، وعدم محاسبة رموز الفساد لا مكان له في المستقبل الذي يراه قريبًا، ويراه غيرُه بعيدًا، و”غيْرَ واقعيّ”.
الدَّرس الثَّاني: الدِّيمقراطيّة قرينةُ الحرِّيّة، لا قرينة الفساد. ومهْما بدا مفهوم الحرِّيَّة للبعض هُلاميًّا وغيْرَ قابل للحصر، لكونه غير قابل لتحديد سَقْف، فإنّه مفهوم نقيضٌ للتَّبعيّة والعبوديّة وفقدان الإرادة. الحرِّيَّة قرينة الإرادة، وهذا بالضَّبط ما تَجسَّد في الانتخابات الرِّئاسيَّة التُّونسيَّة؛ بأخذ النَّاخبين ولا سيَّما الشَّباب منهم، زمامَ المبادرة بالتَّغيير والتَّصدِّي للفساد.
“لا إكراه في الدِّيمقراطيَّة ولا قيد، والإكراه هنا المقصود به فرضُ الأمر الواقع على المجموعة”. وذلك يُشبه ما قاله مرشَّح في المناظرة، الَّتي جمعَته في الدَّور الثَّاني من الانتخابات الرِّئاسيَّة بمنافسه: “العصفور الذي غادر القفص، لن يعود إليه من أجل الفُتات”. وهنا، كان يقصد الشَّعبَ التُّونسيّ الَّذي تَمرَّد على النِّظام السُّلطويِّ في عام 2011، ولن يعود إلى القفص، ليقتات بما ألقى به أباطرة الفساد. يقول الفيلسوف الإنكليزيّ “برتراند راسل” في تعريفه للحرِّيَّة: “إنَّ الحرِّيّة بشكل عامٍّ تعني غياب الحواجز أمام تحقيق الرَّغبات”. وصناعةُ التَّغيير الَّتي تَحدُث الآن في تونس، واحترمها الخاسرون في الانتخابات بقوَّة القانون والدُّستور والشَّعب، هي تجسيد لتحقيق الرَّغبات.
الدَّرس الثَّالث: الحاكم يخاف من المحكوم، لا العكس. وربَّما يبدو هذا الأمر غريبًا أو أوتوبيًّا في المحيط العربيِّ، حيث علاقة الحاكم بالمحكوم مجبولة في كثير من الحالات بالحديد والنَّار والخضوع. أمّا في تونس، فتتَّضح العلاقة الثُّنائيّة تدريجيًّا بعد عقد من الثَّورة. فالحاكم يحاسبه النَّاخبون حين يفشل في الحكم، والمحكوم ما عاد يهاب السُّلطة، إذ تخلَّص من الخوف من بطشها منذ سنوات. وكلّ انزلاق نحو سوء استغلال السُّلطة، تجري محاسبته بالقضاء، ومن خلال صناديق الاقتراع.
لا وصاية على الشَّعب، ولا عصفورَ غادَر قفصَه سيعود إليه، مهْما نثَروا من فُتاتٍ لإغوائه.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.