فادي ضو (لبنان)

العيد للجميع

الخميس ٢٠١٨/١٢/٢٧م   |   ١٤٤٠/٤/١٩ هـ

“هل يجوز؟”، عبارة نسمعها كثيرًا مع اقتراب الأعياد الدينيّة الكبيرة، كما يجري في هذه الأيام مع احتفال المسيحيين بعيد ميلاد السيد المسيح، ورأس السنة الميلادية. والمقصود بذاك السؤال المتواتر من قِبل الناس لِلمرجِعيّات الدينية، أو بنقاشِهم إيّاه على وسائل التواصل الاجتماعي، معرفةُ هل يجوز معايدة أصحاب العيد، أو مشاركتهم في الاحتفالات مِن قِبل مَن لا يدِين بالمعتقدات المرتبطة بالمناسبة.

ما لفت انتباهي هذه السنة، ليس كثرة هذه الأسئلة وحسب، بل وفرة الأجوبة عنها من قِبل المرجعيّات الدينية الإسلامية، وإسهام عدد من الوسائل الإعلامية في الترويج لها. فأكّد مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية في مصر أن: “تهنئة المسيحيين بأعيادهم جائزة. فهي تندرج تحت باب الإحسان إليهم والبِرِّ بهم، كما أنها تدخل في باب لين الكلام وحُسن الخطاب. وجميع هذه الأمور أمرنا الله عزّ وجل بها مع الناس جميعًا دون تفرقة، خاصة مع أهل الكتاب الذين هم شركاء الوطن وإخوة الإنسانية”. ويستند مركز الأزهر في رأيه هذا إلى أدلّة وآيات من القرآن الكريم، من مِثل ما جاء في سورة المُمتحَنة (الآية 8): {لا يَنهَاكمُ اللَّهُ عن الَّذين لَم يقاتلُوكُم في الدِّين ولم يُخرِجوكم من دياركُم أَن تبرُّوهُم وتُقسطُوا إِلَيهِم إنَّ اللَّه يُحبُّ المُقسطِينَ}، أو في سورة البقرة (الآية 83): {وقُولُوا للنَّاسِ حُسنًا}.

أيضًا أعلن مكتب سماحة السيد السِّيستاني في النجف، جواز تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، كعيد رأس السنة، وعيد ميلاد السيد المسيح، وعيد الفِصح. ونرى في هذه المناسبات مبادرات من بعض رجال الدين، أو القادة السياسيين المسلمين الذين يَدخلون الكنائس ويَحضرون الاحتفالات –دون المشاركة في طقوس العبادة–، ويقدِّمون التهاني على شاشات التلفزة. ونلاحظ أن دولًا ذاتَ غالبيّة مسلمة، أقرَّت هذه السنة اعتبار عيد الميلاد عطلة وطنية رسمية، مثل الأردن والعراق.

أمّا على المستوى الشعبي، فتزخر صفحات التواصل الاجتماعي بمواقف مختلفة ومتباعدة. فهناك مِن بين غير المسيحيين مَن يفتخر بنشر صورته أمام شجرة الميلاد، وهناك –بالعكس- مَن ينشر إرشادات لتحذير أبناء دينه من الوقوع في تلك المتاهات، أو يشرح بصدق لزملائه المسيحيين أسباب رفضه تهنئتَهم بالعيد. ولقد لفت انتباهي بعض العبارات المتداولة (باللهجة العاميّة) التي تُوجَّه إلى المسيحي، مِثل: “بقْدر عايدك بس مِش بشي بيخالف ديني ومعتقداتي… ما بقدر باركلك بميلاد ابن الرب وقرآني بيقلّي “لم يلد ولم يولد”… متل ما أنا ما بزعل إذا ما سايرتني وصلّيت معي التراويح… أكيد إنت كمان ما رح تزعل مني إذا ما نافقتك بل صارحتك”.

السؤال الذي يفرض نفسه في هذه الحالة: هل يجب أن أكون متّفقًا مع الآخر في معتقده أو خياراته، لكي أستطيع مشاركته في فرحه؟ فعلى سبيل المثال: ليس من الضروري الاتفاق مع زميلي على اختيار زوجته، لكي أُشاركه في فرحته بعرسه وأُقدّم له التهاني. والأهمُّ أنّ فرحي معه بعرسه، لا يعني اعترافي بأن زوجته أفضل من زوجتي، أو أنّ في ذلك خيانة لهذه الأخيرة. فبرأيي، المعتقدات قناعة وخِيار. لهذا، يمكن أن تعتقد صحَّةَ معتقدك بشكل مطلق، دون أن تحتاج إلى مقارنته بمعتقدات الآخرين. والأهمُّ ألّا تَعتبر أنّ صحة معتقدك، مرتبطة بعدم صوابيّة المعتقدات الأخرى.

لكن، صحيح أيضًا أنّك لا تفرح لصديقك أو للآخرين عامة، إذا ما أصابهم مكروه، أو إنْ ناصبوك العداء. لذلك، أستطيع أن أفهم موقف الذين يرفضون معايدة الآخرين، إنْ كان ذلك منطلِقًا من القناعة بأن هؤلاء يحتفلون بما هو مكروه لديهم، أو أن في دينهم عدائية تجاههم. فإنْ وضع أحدهم دين الآخر المختلف عنه في خانة “الشّر” أو “الضلال”، فأنا أفهم عندها رفضه مشاركته في فرحة العيد. كذلك أتفهّم في هذه الحالة، الانتقاد المُوجَّه إلى بعض المرجِعيّات الدينية على التملّق والمساومة، في دعوتها إلى تهنئة الآخرين بأعيادهم.

لتلك الأسباب، تبدو لي المسألة أعمق من كَونها مجاملات اجتماعية وحسب. فهي في العمق ترتبط بالموقف الديني من معتقدات الآخرين، وبالانسجام السلوكي مع هذا الموقف الإيماني. فمَن لا ينظر إلى الاختلاف في المعتقدات الدينية إلّا من خلال التناقض بين الهَدي والضلال، أو من باب الصراع بين الأديان، فسوف يَصعب عليه حتمًا احترام أديان الآخرين، أو المشاركة في أعيادهم. أمّا من يرى أن في خبرة الآخرين الدينية، خيرًا وقيمًا مشتركة وسلوكًا اجتماعيًّا يستحقُّ الاحترام، على الرغم من الاختلاف معهم في خلفيّاتها العَقَدِيّة؛ فهو لن يجد ضَيْرًا، ولن يتردَّد في المشاركة معهم في أفراحهم، حتى في التضامن معهم في مسيرتهم الروحية الخاصة. فالمسألة تَكمن في أن يَقبل الشخص أوّلًا أنه لا “يحتكر” الله، لكي يُصبح العيد حقًّا للجميع.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.