الرئيسية > رأي عام > مقالات > العيش معًا ومبادرة ميثاق الأرض
سارة أفتاب (السعودية)

العيش معًا ومبادرة ميثاق الأرض

الخميس ٢٠١٩/٣/١٤م   |   ١٤٤٠/٧/٨ هـ

يُعدُّ احترام التنوع الحضاري والثقافي والإثني مبدأً أصيلًا، تُبنى عليه المجتمعات البشرية منذ القدم، لتُحقِّق معاني الحضارة والريادة التي تعمل على المساواة والتضامن، وفتح المجال للأقلِّيّات للمشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وفي التاريخ الإسلامي والعربي خير دليل على ذلك. فحين قامت دولة الخلافة في المدينة كانت وثيقةُ المدينة، التي تُعتبر الدُّستورَ الإنساني الأول، والتي كتبها الرسول بينه وبين الطوائف المتناحرة في المدينة آنذاك.

كان ذلك أحد الأمثلة على احترام التنوع والاختلاف، سواء في الإثنيّة أو الدين أو الطائفة، وعلى تنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية وَفْق بنود، تَحفظ لكلِّ جماعة مكانتها وصوتها وحقَّها في الاختيار والقرار. فكان لكلِّ طائفة ممثِّلُها، الذي يتكلم باسمها في كلِّ أمر يخصُّ المدينة، وهي الفضاء الذي يَشترك فيه جميع هؤلاء الأطياف المتناحرة. أيضًا قام الإسلام في أساسه، على نبذ أيِّ وجه للتخلُّف والعنصرية. فساوى بين الجميع، ولم يُحابِ أحدًا دون الآخر. ونجد هذا في قصة المؤاخاة أيضًا بين المهاجرين والأنصار، وبين بلال الحبشي وصُهَيب الرُّومي وسلمان الفارسي، فكانوا جميعهم يشتركون في ذات الأرض والحقوق.

تاريخنا يزدحم بهذه الموروثات والقصص التي يُبنى عليها أصل الدين وأساسه. ولكن، ويا للأسف، في عالمنا العربي حاليًّا، نجد عكس كلِّ هذا الإرث لأسباب يَصعب حصرها، مِن ضِمنها: الجهل، والتوظيف السياسي السلبي للتنوع، والتحيُّز إلى فئة دون أخرى، إمّا لأسباب أيديولوجية أو سياسية. ومعظم الأقلِّيّات في العالم العربي تُعاني انحسارًا في فرص المساواة في حقوق المواطنة؛ ما يؤدي إلى نشوء أفكار خاطئة وعنصرية مُقدَّمة بين المواطنين في المجتمع الواحد، ويساهم في إشعال الصراعات الداخلية بين التيارات والأحزاب، التي بدورها تَضرُّ بالسِّلم الأهلي والمجتمعي من جهة، وبحقوق الإنسان من جهة أخرى.

مما سبق، يتبيَّن أهمية تسليط الضوء على المبادرات والبرامج، التي تسعى لتأهيل المجتمعات لقبول الآخر والعيش معًا. وأَلْفِت النظر هنا إلى إحدى المبادرات العالمية، التي حظِيتُ بالتعرف إليها عن قُرب، وهي مبادرة ميثاق الأرض. جرى تصميم مبادرة ميثاق الأرض في عام 1994، لتفعيل فكرة المجتمع المدني العالمي، بمبادرة من “موريس سترونغ” الأمين العام لقمة الأرض، وميخائيل غورباتشوف رئيس الصليب الأخضر الدولي، والرئيس السابق للاتحاد السوفييتي، و”رود لوبرز” رئيس هولندا. وبمشاركات متعددة على مدى سبع سنوات حول نص الميثاق في 47 بلدًا، وبمشاركة أكثر من 100,000 متخصِّص وخبير من مختلف التخصصات؛ قُدِّمَت التعليقات المكتوبة بصيغتها النهائية، وجرى الاتفاق عليها في مقرِّ اليونسكو بباريس.

جرى استخدام الميثاق بطُرق متنوعة منذ إطلاقه، بإقرار المنظمات العالمية والمؤسسات الحكومية والدولية، كاليونسكو والاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة والموارد الطبيعية، والمنظمات غير الربحية، والمجالس العالمية. ويُعتبر الميثاق مبادرة من مبادرات الأمم المتحدة، وهو إطار أخلاقي لتقديم مجموعة شاملة ومترابطة من الاعتبارات والقيم والمبادئ، التي يمكن للأفراد والمنظمات استخدامها، لتصبح جزءًا من مجتمع العالم المستدام، الذي يحترم الطبيعة وحقوق الإنسان العالمية والعدالة الاقتصادية وتمكين ثقافة السلام (earth charter report, 2016). وتتميز مبادرة ميثاق الأرض، بأنها تحوي في برامجها و أنشطتها إرشادًا للأفراد، فيما يجب القيام به وأسبابه، وذلك لتحقيق أهداف الميثاق، من دون أن تنصَّ على الكيفية أو تشترط شروطًا لها، وذلك اعترافًا منها بأهمية احترام أولويات المجتمعات، ولتحقيق فاعلية الاختلاف والابتكار والإبداع.

لقد ظهرت هذه المبادرة مع تزايُد الممارسات الاستهلاكية، التي سبَّبَت للعالم خسائر بيئية وبشرية ومادية على نحو متزايد. وتُعتبر صيغة الميثاق شمولية وتشاركية وعالمية، وهذا هو مَصدر شرعيّتها وقوّتها الرئيسي، كإطار أخلاقي توجيهي للمجتمعات العالمية. وتقوم مبادئ الميثاق على أربعة مبادئ عامة وشاملة ورئيسية، يتفرع منها مبادئ فرعية متعددة، وهي كالآتي: احترام المجتمعات الحية البشرية والطبيعية ورعايتها على اختلافها وتنوعها، واحترام البيئة والعدالة الاجتماعية والاقتصادية، ونشْر قيم الديمقراطية واللاعنف والسلام.

مرَّ على نشر ميثاق الأرض حوالي عشرين عامًا. وقد جرى تصديقه من قِبل العديد من الدول والمنظمات والأفراد، إلَّا أن دوره في عالمنا العربي يكاد يكون معدومًا، مع أننا نشهد ولادة لصراعات متعددة وعلى مستويات وأحجام مختلفة، وجميعها يستهلك من حاضرنا ومستقبلنا، ويعطِّل بذلك مجريات الحياة المشتركة بين الناس، ويؤدِّي إلى خسائر بشرية وبيئية، ويُلحق بنا إصابات نفسية تعطِّلنا عن إعمار الحياة. كلُّ هذا يدفعنا إلى التساؤل: تُرى لماذا تتسع الفجوة بين المُثل والقيم، الموجودة في التراث، والتي تدعو إلى احترام التعددية والتنوع؟ وكيف يمكننا الاستفادة من المواثيق الدولية، لتعزيز تلك القيم في مجتمعاتنا؟

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.