الرئيسية > رأي عام > مقالات > الفِصْح بين تَقْويمَين
روجيه أصفر (سوريا)

الفِصْح بين تَقْويمَين

الأربعاء ٢٠١٩/٤/٢٤م   |   ١٤٤٠/٨/١٩ هـ

جدلٌ يتجدد كلَّ عام بين المسيحيين حول عيد الفِصح، خاصة في الأعوام التي ينقسم فيها العيد عِيدَين، يَفرُق بينهما أسبوع أو عدة أسابيع. فيَكثر الحديث حول التاريخ الأصحّ للعيد، واستنكار أن يُعيِّد أغلب المسيحيون أهمَّ أعيادهم، منفصلِين في أغلب السنوات، كلٌّ على حِدَة.

عيد الفِصح بحسب “روزنامة تَعدُّدية”، التي يمكن تَصفُّحها على صفحات هذا الموقع: “هو الاحتفال بقيامة يَسُوع المسيح من الموت، وتُستعمل كلمة الفِصح التي تَعني في أصلها العبري “العبور”، وهنا العبور من الموت إلى الحياة الجديدة. يُعتبر… أساس الإيمان المسيحي وتحقيق الخلاص للبشريّة”.

ينقسم المسيحيون حول العالم اليوم في أغلبهم، على تَقْويمَين اثنَين يجري اتِّباعهما فيما يختص بالأعياد، وهما: التقويم الغريغوري (الغربي)، والتقويم اليولياني (الشرقي). وكثير من المسيحيين اليوم، يَجهلون سبب الفرق الحاصل بين عِيدَي الفِصح. فالَّذين يتبعون التقويم الغريغوري احتفلوا بعيد الفصح في الأحد الماضي، في حين ينتظر أصحاب التقويم اليولياني الأحد القادم للاحتفال.

في الأساس، كان المسيحيون يحتفلون بعيد الفِصح بحسب تاريخ الفصح اليهودي، الذي سَبق -بحسب الإنجيل- حدث القبض على يَسُوع المسيح وصَلبِه وموته وقيامته. وبقي المسيحيون على هذا الحال، حتى قرَّروا في “مَجْمع نِيقيَة” -وهو اجتماع واسع للأساقفة بهدف دراسة أمور الإيمان وسلامة العقيدة-، فَصْلَ الفِصح المسيحي عن ذاك اليهودي. وأيضًا قرَّروا القاعدة التي ما تزال مُتَّبعة حتى اليوم، لتحديد موعد الفصح المسيحي:

بعد الاعتدال الربيعي في 21 آذار/مارس، يُنتظر اكتمال القمر، أي أن يصبح بدرًا. فيَكُون أوَّل أحد بعد اكتمال القمر، هو أحد عيد الفصح. وعليه، هناك 3 ركائز لهذه القاعدة: الاعتدال الربيعي، وأوّل بدْر بعده، والأحد التالي للبدْر.

وَقْتها، كان التقويم المستعمَل هو التقويم اليولياني، المنسوب إلى يوليوس قيصر، والذي كان يفيد أن السنة -وهي مدة دورة كاملة للأرض حول الشمس- عبارة عن 365 يومًا، وربع اليوم (أي 6 ساعات). وكانوا يُضِيفون اليوم المتشكِّل من مجموع الساعات الـ6، كلَّ أربع سنوات، إلى السنة المسمَّاة كبيسة.

لكن في الحقيقة، هذا التقويم اليولياني ليس دقيقًا تمامًا؛ إذ اكتشف الفلكيُّون خطأه أيام البابا غريغوريوس سنة 1582، حيث تَبيَّن أن السنة مدَّتها بدقة هي 365 يومًا و5 ساعات و49 دقيقة تقريبًا، أي أن سنة التقويم اليولياني تزيد عن السنة الشمسية الطبيعية بـ11 دقيقة تقريبًا.

قرَّر البابا غريغوريوس إصلاح التقويم، الذي صار يسمَّى باسمه “التقويم الغريغوري”، وسنَته أقلُّ من نظيرتها اليوليانية بحوالَي 11 دقيقة. هو فرق يبدو تافهًا لا قيمة له، فما قيمة 11 دقيقة في وجه سنة كاملة؟!

في الحقيقة، أنّ تراكُم 11 دقيقة سنويًّا على مدى قرابة 16 قرنًا، شكَّل فارقًا ملحوظًا هو 10 أيام كاملة، كان لا بد من تَدارُكها. فنام الناس ليلة 4 تشرين الأول/أكتوبر، ليستيقظوا في اليوم التالي الذي سُمِّي يوم 15، بدل 5 تشرين الأول/أكتوبر. وهكذا، جرى تَلافِي الخطأ المتراكم.

إنَّ إصلاح الخطأ المتراكم، ولَّد فرقًا بين التقويمَين اليولياني والغريغوري. وانتقل أغلب المسيحيين إلى اعتماد التقويم الغريغوري المعتمَد اليوم في أغلب الدول، في حين تَمسَّك آخرون بالتقويم اليولياني القديم.

واليوم، أصبح الفرق بين التقويمَين 13 يومًا تقريبًا، وهذا ما أثَّر في تحديد الركيزة الأولى، اللازمة لتحديد عيد الفصح بحسب القاعدة المذكورة آنفًا، أي الاعتدال الربيعي في 21 آذار/مارس. فعندما يأتي هذا اليوم في التقويم الغريغوري، يكون التاريخ في التقويم اليولياني 8 آذار/مارس بدل 21. هذا هو أصل الاختلاف في تحديد العيد.

في الحقيقة، يُعتبر العيد بالنسبة إلى كثيرين من المسيحيين، إحياءَ ذكرى. ولا فرْق في العمق، إن جرى الاحتفال بهذه الذكرى اليوم أو غدًا أو بعد أسبوع، بحسب هذا التقويم أو ذاك. ومع أنّ الاختلاف في تحديد موعد العيد، والتمسُّك بتقويمَين مختلِفَين، يُعبِّران عن التنوع في الثقافات، وفي النظرة إلى الأمور، وإلى تأثيرات تاريخية شتَّى، إلَّا أنه يَخلق في الحقيقة شرخًا مؤلمًا بين مسيحيِّي المجتمع الواحد، وحتى بين أفراد العائلة الواحدة. فيُصبح التمسُّك الأعمى أحيانًا بهذا التقويم أو ذاك، وكأنه دفاع عن الهُويّة الطائفية في وجه محاوَلات متخيَّلة لطمسها، ويصبح للخلاف في التقويم، أبعادٌ لم تَخطر يومًا على بال الفلكيِّين الذين أصلحوا التقويم.

في الوقت الذي فشلت فيه مرجعيات روحية مسيحية، في اعتماد مَوعد مُوحَّد لعيد الفصح -بغضِّ النظر عن التقويمَين-؛ يبدو أن تحميل بعض المؤمنين للقيادات الدينية، مسؤولية انقسام المسيحيين على عِيدَين، أمرٌ يصح التوقف عنده.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.