الرئيسية > رأي عام > مقالات > الكراهِيَة واحدةٌ وإنْ تعدّدَت الأسماء
عدنان المقراني (تونس)

الكراهِيَة واحدةٌ وإنْ تعدّدَت الأسماء

الإثنين ٢٠١٩/١٢/٠٩م   |   ١٤٤١/٤/١٢ هـ

يَدُور جدال واسع في إيطاليا حول موضوع “مُعاداة السَّاميَّة”، بسبب ما تَعرَّضَت له عضو مجلس الشُّيوخ “ليليانا سغري” من شتائم وتهديدات، إلى درجة فرض الحراسة الشَّخصيَّة حَولها لحمايتها. وهي سيِّدة يهوديَّة في التِّسعين من عمرها، من النَّاجين من المَحرقة النَّازيَّة؛ عِلمًا أنَّ اليمين -بمختلف أحزابه- قد رفض مشروعَ قانونٍ، تقدّمَت به “سغري” ضدّ خطاب الكراهيَة. وقد مُرّر المشروع رغم الاحتجاجات.

صاحَبَ ذلك اكتشافُ الشُّرطة الإيطاليَّة خلال الأسابيع الماضية، لجماعات يمينيَّة متطرِّفة ذات نزَعات فاشيَّة ونازيَّة، تُمجِّد هتلر وموسوليني. والخطير أنَّ بعضها يمتلك مَخابئ أسلحة، ويخطّط لهجمات إرهابيَّة ضدَّ مَساجد المسلمين. فالأمر لا يقتصر على خطاب الكراهيَة إزاء المسلمين والأجانب واليهود، بل هناك نيَّة مُبيَّتة لتحويل ذلك الخطاب إلى فعل عنيف، لولا تَدخُّل الأجهزة الأمنيَّة في الوقت المناسب. وهذه الظَّاهرة لا تقتصر على إيطاليا، بل تتعدَّاها إلى العديد من البلدان الأوروبِّيَّة كفرنسا وألمانيا والمملكة المتَّحدة، وخارج أوروبَّا كالولايات المتَّحدة وأستراليا. إنَّه تَحدٍّ كبيرٌ للدِّيمقراطيَّة، وللأمن، وللتَّعايش السِّلميّ بين الجماعات المختلفة.

لا أدعو هنا إلى التَّهويل، بل إلى أخذ هذه المَخاطر على مَحمل الجِدّ. فهناك مساحات واسعة من الحرِّيَّة تُستغلُّ -يا للأسف- لترويج خطاب الكراهيَة والعنصريَّة. ويَظهر ذلك بوضوح في شبكات التَّواصل الاجتماعيّ وفي وسائل الإعلام، حتَّى على لسان مسؤولين وسياسيِّين كبار، وعلى رؤوس الأشهاد. لقد بات ما كان يُقال بالأمس سرًّا وعلى وَجَل، يُقال اليوم بصوت عالٍ وبوجهٍ وَقِح. فثَمَّة اكتشاف سياسيّ رهيب، وهو أنَّ الكراهيَة “مُربِحة” وجالبة للأصوات، وأنَّ تخويف النَّاس من الغريب والمختلف، يجعلهم يُصوِّتون لمن يدّعي حمايتهم من الغزو، ويُدغدِغ فيهم الرَّغبة في تمجيد الذَّات بنفي الآخر، وبإظهار التَّفوُّق النَّوعيّ للهُويَّة القوميَّة أو الدِّينيَّة على جميع الهُويَّات الأخرى.

إنَّ “الكراهيَة” واحدة، وإنِ اتَّخذَت أسماءً وأشكالًا مختلفة. فهي تُسمَّى أحيانًا “مُعاداة السَّاميّة”، وأحيانًا أخرى “الإسلاموفوبيا”، وتارةً “التَّمييز العنصريّ”، وتارةً أخرى “الإرهاب بِاسم الدِّين”. ولا يمْكن الفصل بين هذه المَظاهر ومحاربة بعضها دون الآخر؛ إذ لا بدّ لأيّة إستراتيجيَّة تُريد مواجهة هذه المخاطر، أن تُعالِج المشاكل من جذورها، حتى تَكتسب المصداقيَّة والنَّجاعة المَطلوبتَين. إنَّ تَصاعُد معاداة السَّاميَّة، في الوقت نفسه الَّذي تتزايد فيه كراهيَة المسلمين والأجانب، ليس من قَبيل الصُّدفة؛ فكثيرًا ما يعتبِر العنصريُّون أن اليهودُ أجانِبَ أيضًا. ثمّ إنَّ المناخ العامّ يحرّض على توسيع دائرة الكراهيَة.

مكافحةُ هذه المظاهر كخطر واحد بأسماءٍ متعدِّدة، يقتضي نوعًا من التَّضامن الإنسانيّ والرُّوحيّ. فالمِساس بِـ”ليليانا سغري” مثلًا، يَعنِيني أنا شخصيًّا بصفتي عربيًّا مسلمًا يعيش في إيطاليا. ودفاعي عنها هو دفاع عن أمْنِي ومجتمعي؛ إذ الخطرُ يبدو بعيدًا لأنَّه يَمسُّ الآخر، ثمَّ سَرعان ما يقترب ويَعمُّ الجميع، وَفْق مَقولة “أُكلْتُ يومَ أُكِل الثَّورُ الأبيض”. ثمّ إنّ وُجود أصوات يهوديّة ترتفع بالتَّنديد بجرائم إسرائيل بحقّ الشَّعب الفلسطينيّ، وتُعبّر عن تَضامُنها مع المضطهَدين والمشرّدين، يجعلني أشعُر بالأمان والأمل، لأنَّ التَّضامن ليس قَبليًّا ولا حزبيًّا، بل هو إنسانيٌّ عابِر للهُويَّات. فكما تتعاضد الكراهيَات ويَدعم بعضها بعضًا في صمت، فكذلك ينبغي أن تكُون محاربتها متضامنة متكاتفة.

في أحد المؤتمرات، سألني أحد الحضور: “مَن هو المسيحيُّ بالنِّسبة إليك؟ هل هو كافر أمْ مُشرك أم مُؤْمن؟”. أراد السَّائل أن يَجُرَّني إلى مسألة شائكة، في مجال لاهوت الأديان وتَطوُّر النَّظرة الإسلاميَّة إلى الآخر الدِّينيّ. وقد كان في إمكاني أن أجارِيَه وأجيبه حسب المنطق اللَّاهوتيّ، وأوضح وجهة نظري الَّتي تتبنَّى التَّعدُّديَّة الدِّينيّة. ولكنَّني فضّلتُ أنْ “أجُرَّه” إلى مساحة أخرى مختلفة. فقُلتُ له: “المسيحيُّ بالنِّسبة إلَيَّ هو فلان أو فلانة من الحضور -فذكَرتُ الأسماء وليس نظريَّةً في الكتب-. إنَّهم أشخاص حقيقيُّون أعْرِفهم ويعرفونني، وأُحبُّهم ويحبُّونني، وأرى فيهم أجمل ما يمثّله المسيحيُّ من قِيم وأخلاق وإنسانيَّة. ولو قال لي شخص ما: إنَّ المسيحيَّ بالنِّسبة إليه هو هتلر أو موسوليني، أو ما قرأه في بعض الكتب أو شاهَدَه في بعض البرامج؛ لقُلتُ له: إنَّك لم تَعْرف أصدقائي الطَّيِّبين، ولو عرَفْتَهم لما وقعْتَ في تلك الأحكام المعمَّمة”.

لعلَّ أهمَّ ما نحتاج إليه لاجتثاث خطاب الكراهيَة، هو الصَّداقة والمعرفة المباشرة لاكتشاف إنسانيَّتنا المشترَكة. ولعلَّ فرصة وُجود طفل مختلف على مقاعد الدِّراسة، أو زميلٍ من دِين آخر في أماكن العمل، لَهِيَ من أجمل الفُرَص للتَّخلّص من الأشباح والأوهام، الَّتي تَجرح إنسانيَّتنا قَبل أن تؤذي غيْرنا.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.