الرئيسية > رأي عام > مقالات > اللاعنف خِيار وُجوديّ يشمل الدولة والمجتمع
عدنان المقراني (تونس)

اللاعنف خِيار وُجوديّ يشمل الدولة والمجتمع

الجمعة ٢٠١٨/١١/٠٩م   |   ١٤٤٠/٢/٣٠ هـ

يُمْكن النظر إلى حركة اللاعنف من زاويتين. الأُولى: من زاوية الدولة أو اللاعنف من فوق. ويكُون اللّاعنف بتحقيق العدل والتنمية، وتلبية حاجات المجتمع الأساسية من عمل وصحة وسكن… فالهدف من وجود قوات الجيش والأمن ليس العنف، بل منعه. والمنع يكون أوّلًا بمنع الأسباب التي تدفع الناس إلى الاحتجاج، ثم بالتقليل من احتمالات انفجار الأوضاع الاجتماعية، وما يصاحبها عادة من عنف. فالمنع لا يتحقق بالهِرَاوات والغازات والسجون، بقدر ما يتحقق بمنع أسباب العنف من ظلم وحرمان وفقر. وهي في حدِّ ذاتها عنف مُمَنهج، يقتل ويُبيد أجيالًا كاملة.

التنمية والعدالة الاجتماعية والحريات الديمقراطية، من سِمات الدولة اللاعنفية. مِن دونها تتحوَّل الدولة إلى مطرقة طاحنة، وآلة حرب دائمة على المجتمع. ومن تعريفات الدولة التي تحتاج إلى إعادة نظر، أنّها “تحتكر استخدام العنف”. ويُقصد بذلك أن للدولة وحدها الحقَّ في حمل السلاح عبر قوات الجيش والشرطة، حسب ما يقتضيه القانون، ومع احترام حقوق الإنسان. ولكن، في التجربة العربية: “احتكار الدولة للهِراوة” يُخيفني، ولا يُطَمْئِنُنِي البتَّة. الدولة التي تُطَمْئِنُني هي التي لا تستعمل الهِرَاوة، والأفضل ألّا تَملكها. مشكلة التعريف أنه يحدِّد مهمَّةً عُنفيّة للدولة، وهي يا للأسف كذلك في الأنظمة الديكتاتورية عبر أجهزة القمع والسجون، بل أيضًا في بعض الدول الديمقراطية، عندما يُهيمن رأس المال على السياسة؛ فتصبح حكرًا على الفئات الغنيّة والنافذة، ويَنْجرُّ عن ذلك تهميشُ فئات واسعة من الشعب، يَدفعون فاتورة كلِّ أزمة اقتصادية عبر البطالة والتشريد والتفقير.

هذا عُنف مُمَنهج يقع في صميم البُنْية الاقتصادية والاجتماعية للرأسمالية، سواءٌ أرأسماليَّةً “ليبراليَّةً” كانت -وهي في الحقيقة ليبراليّة السُّوق والاستهلاك والتجارة-، أمْ رأسماليَّةَ الحزب الواحد المهَيمِن في الأنظمة الشمولية، التي باتت تُسابق الأنظمة الديمقراطية في الهيمنة على الأسواق المحلية والعالمية. وهذا ما يفسِّر لنا الطبيعة العُنفيّة للنظام العالمي، على الرغم من مساحيق التجميل المكثَّفة، التي تتغنَّى بحقوق الإنسان والقيم الديمقراطية.

أمّا الزاوية الثانية، فهي اللاعنف من تحت، أو لاعنف المعارضة السياسية في الدول الديمقراطية، عبر: البرلمان، والإعلام الحُرّ، والمجتمع المدني الحيّ. فالديمقراطية أساسًا عملية حُكْم وتغيير لاعُنفِيَّين. وفي حال غيابها، فإنّ دور المعارضة اللاعنفية هو مقاومة ظلم الدولة وعنفها، عبر أساليب لا تَظلم ولا تقتل. وهنا تُطرح عادة مسألة فعّاليَّة هذا المنهج ونجاعتِه. فأمام آلة القمع الغاشم وأسلحة الدمار، هل تنفع المظاهرات والإضرابات والاعتصامات والمقاطعات والمنشورات؟ وهل يمكن اعتبار المقاومة اللاعنفية مقاومة ناعمة تليق فقط بالمثقَّفين رُوّاد المقاهي الأدبية وصالونات الشِّعر؟ وهل هي حُلم مِثاليّ لمن يَجبُن عن حمل السلاح؟ كلُّها أسئلة، كثيرًا ما تُطرح في مثل هذه السِّياقات!

قيمة المقاومة اللاعنفية تكمن في وظيفتها الأخلاقية. فهي تمنع تكرار نموذج المستبِدّ، وتَحُول دون الردِّ على العنف بنفس وسائله ومنطقه. أبشعُ ما يمكن أن تؤدي إليه دورة العنف وسِلسلةُ الأفعال ورُدودُها، هو تعميم منطق العنف. وهذا ما تسعى لتحقيقه الأنظمة الفاسدة في العديد من الحالات، عن طريق الضغط العنفي على الاحتجاجات السِّلمية، حتى تُجبرها على التحوُّل إلى العنف، في عملية تَيْئِيس من ثمار الحَرَاك اللاعنفي، وكأنّ الضغط محاولة عبثيّة للتغيير. فقتْلُ هذه الإمكانية وهذا الأمل في نفوس الناس، هو أهمُّ أهداف المستبِدِّين، في عملية “فِطام” قهرية عن طعم الحرية.

المقاومة السِّلمية عملية خطرة، وغير مضمونة النتائج مُقدَّمًا، كأيِّ مشروع إنساني جِدِّيّ! ولكي تنجح، لا بدَّ من تحقُّق سلسلة من الشروط الذاتية والخارجية، من بينها: الإبداع الخلَّاق في أشكال المقاومة على جميع المستويات، وتَحوُّل المقاومة إلى ثقافة اجتماعية واسعة ومُعْدِية. ويَعني ذلك الحَصانة من الاستفزازات التي تدفع نحو طريق العنف.

تحقيق الإنسان لغايات وجوده تكُون بعدم الإفساد وعدم القتل، وهذا هو معنى أن يكون الإنسان “خليفة” لله في الأرض، بتحقيق إرادة الله التي تُحيي وتعمر، عكس ما فهِمَته الملائكة في البدء عند إعلان خَلْق الإنسان: {وإذ قال ربُّك للملائكةِ إنِّي جاعلٌ في الأَرضِ خليفةً قالُوا أتجعَلُ فيهَا مَن يُفسدُ فيهَا ويَسفِكُ الدّماءَ} [البقرة: ٣٠]. فاللاعنف رسالة روحية وُجوديّة، تجد تطبيقها في السياسة والاقتصاد، وفي تدبير شؤون المجتمع، حتى في البُعد الإيكولوجي؛ لوقف حرب الإنسان على الطبيعة، التي تهدِّد جميع الكائنات الأرضية.

تحرير الإنسان من شهوة العنف والدمار، ينبغي أن يكون أوّليَّة تربوية دينية، لأنها مسألة حياة أو موت. مصيرُنا كإنسانية، بات مرتبطًا بالأُفُق اللاعنفي.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.