الرئيسية > رأي عام > مقالات > المذلة الرابعة لنرجسية الإنسان
حسن ناظم (العراق)

المذلة الرابعة لنرجسية الإنسان

الأربعاء ٢٠٢٠/٧/٢٩م   |   ١٤٤١/١٢/٩ هـ

خطرَ في بالي الكلام الكثير هنا وهناك، عن المذلّات الثلاث الكبرى التي تعرّضت لها البشرية. ولم تكن تلك المذلّات سوى نظريات علمية شهيرة، أطاحت بغلواء البشر، كلّما ظنّوا أنهم مركز الكون، أو أنَّ هناك الإنسان الكامل أو الأقوى أو الأصلح. إنها قصة العلم ونَرجِسية الإنسان.

١- كوبرنيقوس: (في القرن السادس عشر). في كتابه “حول دوران الأجرام السماوية”، أنهى مركزية أرضنا، وبيَّن مكاننا، ونحّانا عن مركز الكون، ورمَى أرضنا بالهوان، حين قال: “إن الشمس، وليس الأرض الضئيلة التي لا تُرى في الكون الشاسع، مركز النظام الشمسي”. مركزية الشمس هذه حطّت من قدرنا، وأقنعَتنا على مضضٍ بأن الكونَ لم يُخلَق من أجلنا. فهو ما زال سرًّا من الأسرار الكبرى. نحن نتعافى من جرح الكوبرنيقية.

٢- داروين: في كتابه “أصل الأنواع”: أنهَى مركزية الإنسان في خَلْقه الخاص، وأَنزَل أصلنا من عليائه السماويّة إلى عالم الحيوان. نحن نتعافى من جرح الداروينية.

٣- فرُويد عالِم نَفْس -وأيضًا كوبرنيقوس- قال: إن اللاوعي يتحكّم في البشر، وإنّ الأنا، تلك التي نُطْريها ونضعها في مقام المهيمِن والمسيطِر، عاجزةٌ وعمياء، ومَقُودة بالمَخفيّ والمستتِر والمَكبوت. نحن نتعافى من جرح الفُرويدية.

٤- كورونا: جُرحٌ مفتوح من نوع آخر. ومن الصحة الآن، أن يبقى هذا الجرح مفتوحًا. فهو ليس بنظرية علمية اكتشفناها، وإنما برَز لنا رغم خفائه، فختَلَنا (تَخفَّى لنا) في الجُحور. ليست جائحة كورونا مثل أيّ جائحة مرّت على البشرية، إذ تأتي في سياق حضاريّ خاص، وسياق ترابُط البشرية كلّها. ومُوَازاةً مع هذا التواصل الفوري في العالم عبْر التكنولوجيا الرقمية والإنترنت، كان كورونا في كلّ مكان من العالم، وعرَفناه جميعًا. فما طبَّقَت جائحةٌ قبل كورونا العالَمَ بِرُمَّته.

هذه الجروح الكبرى أذلّت غرور الإنسان، وطعنَته في نَرجِسيته، لكنّها علّمَته أيضًا. وكما نتعافى من الكوبرنيقية والداروينية والفُرودية، فدعُونا نتصالح مع “الكُورونية” لنتعافى منها كذلك، ثم دعونا نؤمن بأننا دومًا أصغر ممّا نعتقد، وأقلُّ مما نتصور، وأعجزُ مما نتخيل؛ وذلك لكي نكون أكبرَ وأكثر وأقْدَر.

بعد أن كتبتُ هذا النص في شهر نيسان/أبريل، أُصبتُ في شهر حزيران/يونيو بكوفيد‑19. دخَل الفيروس جسدي، وبدأ الإعياء والصُّداع وفقدان الشهية، وشرَع الجرح النَّرجِسي الرابع يتبدّى على كياني كلّه. كَمْ كمّمتُ فمي وأنفي! لكن الوعد يجب إنجازُه، أيْ وَعْد المَذلّة. وكمْ ألْبستُ يديّ قفّازات واقية، وكم غسلتُهما وطهّرتُهما بالمطهرات! لكن الوعد يجب إنجازه، وعْد الجُرح. وكم احتفظتُ بمسافة اجتماعية وعزلة فردية وخَشية مصيرية! لكن الوعد يجب إنجازه، وعْد التجربة.

قال لي الطبيب إنَّ مع الفيتامينات “سي ودي والزنك”، هناك فيتامين أهمّ، هو الشجاعة. فطَفِقتُ أُراقب شجاعتي في المعركة، حيث كان الهجوم متواصلًا ليلَ نهار، واستمرّ أربعة أيام بلياليها، حتى أعْيَا أحدنا الآخر. فعقدتُ اتفاقية مع الفيروس، كانت هُدنة نهارية، إذ صار النهار راحةً بعض الشيء، وما إنْ يُرخي الليلُ سُدوله حتى تبدأ المعركة من جديد. تذكرتُ من قصيدة المتنبي في الحمّى: وزائرتي كأنّ بها حَياءً    فليس تَزور إلَّا في الظلامِ

بعد “مَولد العيادة”، علّمَنا “فوكو” أنّ المريض المحجور لا ينعزل في علاجه عن هويته الشخصية، ولم تعُدْ سلطة الطبيب مطلَقةً عليه؛ إذ المريض لم يعُدْ يُطيق جوّ الألغاز الطبية التي يُحيطُ الطبيبُ بها نفسَه. ونشهد مع تفشّي كورونا انحلالًا للألغاز، وظهورًا للهويات الشخصية في المجتمعات، حتى إن الفرد المريض صار يختار بيته مَحجَرًا، ومعتقداتِهِ علاجًا. فنلاحظ تَرافُق الأدوية والأدعية، والوصفات الطبية والتعاويذ. وتلك مسافة أخرى، بخلاف المسافة الاجتماعية التي تقتضيها شراسة الفيروس. إنها المسافة بين المريض وطبيبه هذه المرة، والمسافة التي تؤسِّس تحوُّلات كوفيد‑19 في قرننا المهووس هذا، وهي المسافة التي تُناشد “أوفيد” أن يُعيد التفكير في أساطيره التأسيسية، وأن يُعيد تعريف عجرفته وعنجهيَّته.

الأمراض أعراض، والأعراض علامات، والعلامات لا تقول الشيء نفسَهُ دائمًا. إنها تتبدّى لنا، ونراها بعيون مختلفة. فنراها مرَّةً تهديدًا مُرعبًا، ومرة امتحانًا يعزّز فينا العزم والقوة. في الأولى يُضعفنا ويَفتك بنا، وفي الثانية يرمِّم صدوعنا ليُحيينا. قرأتُ بنفسي هذه العلامات برؤية “أوفيديَّة”، حيث صار أوفيد يقرأ كوفيد، ويفكّ شفراته بلا رؤية طبية أسرارية، ولا رؤيا أرواحية؛ لأنّ كوفيد لا علاج له غيْر أنْ تقرأه فتَهضمه وتتمثّله، وقد كان. فها قد عادت الشهيّة، وتلاشى الصداع، وانحلّ النُّحول، وتَبدّد الإعياء، إلّا أنّ كوفيد انطبع في ذاكرة أوفيد جرحًا، وفي خلاياه شفرةً، وفي سجلّ تاريخه نزيلًا، وبات معروفًا بعد الجهل، ومكشوفًا بعد الاستتار. أمَّا الدرسُ فيه، فهو أنّ الإنسان أقوى من جروحه، وأنّ ضُعفه حافِز على قوّته، وأنّ سقوطه تأسيس لِنُهوضه.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.