الرئيسية > رأي عام > مقالات > المرأة ليست “عَورة”
ريم خليفة (البحرين)

المرأة ليست “عَورة”

الأربعاء ٢٠١٩/٤/١٧م   |   ١٤٤٠/٨/١٢ هـ

قامت كاتي بومان Katie Bouman وثلاثة من زملائها الباحثين، بجمع بيانات فلَكيّة من جميع أنحاء العالم، وبرمجوا خوارزميّات يمكنها تقطير كلِّ المعلومات الفوضويّة، في صورة واحدة مفهومة. “بومان” الحاصلة على درجة الدكتوراه، تابعَت عملها من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وشاهَد العالم صورة أوَّل ثُقب أسود، كدوَّامة من الضوء والموادِّ، التي تَكشف عن ظلِّ كتلة غير مرئية في 10 نيسان/أبريل 2019. وذلك عندما قدَّم فريق من أكثر من 200 باحث، صورة عن الثقب الأسود الذي يقع في وسط مجرة “M87”. وكان الإعلان بمنزلة اللحظة التي استطاعت فيها بومان، مشاركةَ العالم في عملها، الذي كان يجري خلف الستار.

لقد انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، صورة “بومان” وهي تجلس في تلك الغرفة الصغيرة، إلى جانب تعليقات تقول: “يجب الاعتراف بالنساء العالِمات”. بومان قالت: إن المشروع كان “مجهودًا جماعيًّا”، إلَّا أن مجهودها وتعليقها يجعلانِها أنموذجًا للفتيات الصغيرات، اللائي يفتقرن إلى الأمثلة، مقارَنةً بأقرانهنَّ من الذكور.

هذا الإنجاز في المجال العلمي، ليس هو الوحيد الذي يمكن أن يشار إليه بالبَنان. فهناك في مجال السياسة، يَبرز دَور “إليانور روزفلت”، التي كانت زوجة للرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت في فترة ما بين 4 آذار/مارس 1933 و12 نيسان/أبريل 1945، وشغلَت مَنصب مندوب الولايات المتحدة لدى الجمعية العامة للأمم المتحدة، من سنة 1945 إلى سنة 1952. ولكن الأهمّ من كلِّ ذلك، كان دَورها في إعداد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الصادر عن الأمم المتحدة في سنة 1948؛ إذ جاء إصداره نتيجة لتجربة الحرب العالمية الثانية. وبعد تلك الحرب المدمِّرة، تَعهَّد المجتمع الدُّوَلي بعدم السماح مرة أخرى بوقوع أعمال وحشية، كما حدث قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية.

بعد استكمال ميثاق الأمم المتحدة الذي يَضمن حقوق الدول، اتَّجهت الأبصار نحو موضوع أخطر، وهو كيف تجري حماية حقوق الأفراد داخل الدول. وهكذا، تطورت النقاشات داخل لجنة حقوق الإنسان، التي تألَّفت من 18 عضوًا من مختلف الخلفيَّات السياسية والثقافية والدينية. وقد ترأَّسَت إليانور روزفلت لجنة صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكانت مثيرة للجدل في ذلك الوقت بسبب صراحتها، لا سيَّما فيما يتعلق بالحقوق المدنية للأميركيِّين الأفارقة. وكانت أول زوجة رئيس تَعقد مؤتمرات صحفية منتظمة، وكاتبة عمود في صحيفة يومية ومجلَّة شهرية، ومقدِّمة برنامج إذاعيّ أسبوعي. فلم تُوافق علَنًا على سياسات زوجها، وظلَّت ناشطة في السياسة –بعد وفاة زوجها- طَوال الـ 17 سنة المتبقيَّة من حياتها.

أيضًا شاهَد العالم بُطولة رئيسة الوزراء النيوزيلاندية جاسيندا أرديرن، في شهر آذار/مارس الماضي، وكيف برزت بعد الهجوم الإرهابي على مسجد مدينة كرايستشيرش، وكيف بادرت إلى الذهاب إلى الجالية المُسْلمة لمشاركتهم في العزاء، وهي تلبس ما يلائم مكانة المسجد، وتتحدث إلى الجميع بأسلوب أدهشهم، وتتناول الرأي العامّ ضد الإرهابيِّين. لقد تصرَّفَت كأُمّ حنون، وكقائدة صلبة، واتخذت قرارات حازمة، ودفعت نحو إصدار قوانين لا تتهاون مع حمَلة السلاح، ومع أيِّ إرهابيٍّ من أيِّ صنف كان.

هذه التجارب لا تقتصر على ثقافة دون أخرى. فلدينا أنموذج آخر في سنغافورة يتمثَّل بـ”حليمة يعقوب”، وهي من أصول هندية من جهة والدها، وملايَويَّة من جهة أمِّها، ومتزوجة من شخص ذي أصول عربية. تَسلَّمَت مَنصب رئيسة دولة سنغافورة، وكانت قبل ذلك المتحدِّثَ الرسمي بِاسْم برلمان بلادها، وتَرشَّحت لمنصب رئيس سنغافورة في انتخابات عام 2017.

هذه النماذج النِّسويّة ليست سوى عيِّنات، تُثبت أن المرأة شريكة للرجل، في صنع التقدم الحضاري على جميع المستويات. ولا يمكن لأيِّ اتجاه ثقافي أو سياسي، أن ينظر إلى المرأة باستصغار. فقد يكُون الاستصغار الذي عانتْهُ المرأة على مرِّ القرون، أنما هو نتيجة خوف الرجل مِمَّا يمكن أن يحدث، لو أن المرأة تمكَّنت من إطلاق قدراتها. ولكننا في عالم اليوم، نرى أن مِثل هذا الحديث لا يُعتبر غريبًا فحسب، وإنما خطأ من الأساس؛ إذ إن التطور الكبير في مختلف المجالات، أصبح مجالًا مشترَكًا لجميع الطاقات البشرية، الرُّجولية منها والنِّسوية على حدٍّ سَوَاء.

لهذا، فإننا عندما ننتقل إلى الكلام عن منطقتنا العربية، فإننا نرى أن المرأة بدأت بالفعل تتصدَّر المشهد الثقافي والسياسي والاجتماعي والعلمي. ولكن، لا يزال كلُّ ذلك مُثْقلًا بتراث مُعادٍ للمرأة؛ إذ يُنظر إليها على أنها “عَورة”، في حين أنها في الحقيقة طاقة متدفِّقة، لا يُمْكن الاستغناء عنها في عالَم اليوم.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.