الرئيسية > رأي عام > مقالات > المسيحيُّون ما بعد القوميَّة العربيَّة
فادي ضو (لبنان)

المسيحيُّون ما بعد القوميَّة العربيَّة

الخميس ٢٠١٩/١٢/٠٥م   |   ١٤٤١/٤/٨ هـ

تدعونا الأجيال الشَّابَّة الثَّائرة في العراق ولبنان، وقَبْلها في العديد من الدُّول الأخرى في المنطقة، لكي نَخرج من كهوف الأركيولوجيا السِّياسيَّة، ونَدخل ساحات التَّاريخ، وراء الصَّبايا والشَّباب الَّذين يُعِيدون كتابته اليوم على طريقتهم. إنّه فجرٌ جديد يكتبه هؤلاء الصَّبايا والشَّباب، بِطَيِّ فصل القوميَّات الدِّينيَّة والإيديولوجيَّة، وفتح صفحة المُواطَنة الرَّاعية لكرامة الإنسان والحاضنة لتنوّع المجتمعات.

في هذا السِّياق، تَدخل مجتمعاتُنا مرحلةً جديدة يُعاد فيها تعريف المصطلحات وتحديد الأَوْلويَّات، بشكل يتخطَّى الثُّنائيَّات المعهودة، مثل: الأكثريَّة والأقلِّيَّة، الإسلام والمسيحيَّة، العروبة والمشرقيَّة، العلمانيَّة والتّيوقراطيَّة، الطَّائفيَّة والقوميَّة… إلخ. فالمسألة اليوم لم تَعُدِ الهُويَّةَ بل الكرامة، وليست الجماعة بل الإنسان والمجتمع.

إنّه سياق ما بعد القوميّة العربيّة، والقوميّات الدِّينيَّة الإسلامَويَّة والطَّوائفيَّة المسيحيَّة. صحيحٌ أنَّ الإسلام السِّياسيَّ لا يزال حاضرًا في بعض العقول والخطابات والنَّشاطات بشكل مباشر، أو تحت مسمَّيَات وعناوين ملتَبِسة، وصحيحٌ أيضًا أنَّ الأحزاب الطَّائفيَّة المسيحيَّة يسعى بعضها لاكتساب شرعيَّة متجدِّدة، عبْر الدِّفاع عن هُويَّة قوميّة طائفيَّة في وجه الهُويَّات الكبرى الثَّقافيَّة أو الدِّينيَّة؛ ولكن لا بدَّ من الاعتراف بأنّ الأجيال الجديدة الثَّائرة -وإن كانت غير منتظمة في مجموعات حزبيَّة ومجتمِعة حول برامج سياسيَّة واضحة-، تُعبِّر بطبيعة حَراكها عن طرحٍ مُوَاطَنِيٍّ عابر للحدود الطَّائفيَّة والدِّينيَّة، وبعيدٍ عن السِّياسات القوميَّة.

أعُود هنا بالزمن إلى مَوقف لافت للأب يواكيم مبارك، الَّذي طالَب في سنة 1972 بالعبور من “القوميَّة العربيّة” نحو العروبة، مُعتبِرًا أنّ العروبة مصطلَحًا وُجوديًّا يتّجه نحو إلغاء القومية العربية. وقد ذهب بطرحه إلى اعتبار النَّبيِّ محمَّدٍ العربيَّ الأوّل، الذي دعا إلى الخروج من القوميَّة العربيَّة وتَخطِّيها. فهُويَّته العربيَّة تنتصر من القوميَّة العربيَّة، عبْر نُكرانها لذاتها في الإيمان الإسلاميِّ. لذلك -كما يقول الأب مبارك-: “العروبة هي تَجاذُب أزليٌّ بين القوميَّة والإيمان”.

لقد تقهقرَت فعلًا القوميَّة العربيَّة؛ إذ عجزَت الجامعة العربيَّة عن تحقيق تَضامُن فِعليٍّ، بين الأوطان والشُّعوب المكوِّنة لجغرافيَّتها. أيضًا اصطدمت القوميَّة العربيَّة، بعجزها عن الاعتراف بالتَّنوُّع الثَّقافيِّ الإثنيِّ واللُّغوي والدِّينيِّ في جغرافيَّتها، كالأرمنيِّ والكورديِّ والأمازيغيِّ والسِّريانيِّ وغيرها، لا بل ماتت القوميَّة العربيَّة على يد الأنظمة المستبدَّة، الَّتي باسمها اقتُرفَت أبشع أنواع الاضطهادات، من حَلَبْجة في كوردستان العراق إلى كثير من مُدن المنطقة ودُوَلها. وربَّما بقي على شعوب المنطقة دفنُها وإقامة العزاء، لتستطيع إنعاش العروبة، كأُفُق حضاريّ حاضن للشُّعوب والثَّقافات والأديان.

مع هذا الكلام، ومع مشهد الانتفاضات الشَّعبيَّة الرَّاهنة، يبقى السؤال: “هل للمسيحيِّين اليوم دور خاصٌّ في زمن ما بعد القوميّة العربيّة؟”. الجواب يَكمن أوّلًا، في تأكيد عدم بحثهم عن دور متمايز لهم، في لحظة تاريخيَّة تدعوهم إلى متابعة النِّضال المشترَك مع سائر المواطنين، من أجل بناء مجتمعاتهم على أسُس جديدة جامعة. ولكن، هذا لا يُلغي دورهم في استثمار طاقاتهم وعلاقاتهم ومواردهم الخاصَّة في خدمة هذا النِّضال المشترك، على النَّحو الآتي:

1- بدَلَ المطالَبةِ بحقوق خاصَّة للمسيحيِّين ليست للآخرين، على المسيحيِّين مع سائر المواطنين النِّضال من أجل حقوق كلِّ إنسان، ومنها الحقُّ في الاختلاف، وحرِّيَّة الفكر والمعتقَد والتَّعبير.

2- بدَلَ البحثِ عن ضمانات للمسيحيِّين، على المسيحيِّين أن يَعُدّوا أنفسَهم ضمانةَ العروبة، كأُفُق ثقافيٍّ منفتِح على التَّنوّع والمثاقَفة والعيش معًا.

3- بدلَ المزايدات والشِّعارات الشَّعبويَّة، على المسيحيِّين التَّمسّك الفعليُّ بقضيَّة فلسطين ورمزيَّة القُدس، كتَحدٍّ دائم لرسالة الأديان في بناء السَّلام، والسَّعي مع المسلمين وسائر المواطنين لنصرة هذه القضيَّة، لا سيّما في هذه الظُّروف الرَّاهنة غيْر المؤاتية، حيث تَضرب الإدارةُ الأميركية بالقرارت والمواثيق الدُّولية عُرض الحائط.

4- بدل الهجرة أو التَّقوقع في مشاريع التَّحالفات الأقلَّويّة، على المسيحيِّين النِّضال مع سائر المواطنين من أجل بناء دولة المُواطَنة الحاضنة للتَّنوُّع، وابتداع أنماط ناجحة من إدارة التَّنوّع الثَّقافيِّ والدِّينيِّ بشكل عادل وخلَّاق.

5- بدل التَّمسّك بتقاليد اجتماعيَّة ودينيَّة أصبحت بالية، على المسيحيِّين الإسهام في تحرير العروبة من الذُّكوريَّة والبطرِيَركيّة، وملاقاة صبايا الانتفاضات الشَّعبيَّة، اللَّواتي لم يقتصِرْنَ على وضع المرأة في الخطوط الأماميَّة والقياديَّة وحسْب، بل -وفْق قول يواكيم مبارك- سوف يُعِدْنَ بأنفسهنَّ صناعة الرَّجل العربيِّ على أساس المنظومة القِيميَّة الجديدة.

6- بدل استبدال إتقان اللُّغة العربية بإتقان لغات أجنبيَّة، على المسيحيِّين المواءمة بين التَّعدُّديّة اللُّغويّة وإحياء اللُّغة العربيَّة، عبْر تجديد الْتِزام المدارس والجامعات المسيحيَّة هذه القضيَّة.

7- بدل الابتعاد عن المسلمين، وبحسب كلام يواكيم مبارك: “على الوِجدان المسيحيِّ أن يَدخل في قلب الإسلام ليجعله ينطق بالعربيَّة، الكلماتِ الَّتي وحْدَه التَّواصلُ القلبيُّ يُلزمُه قولَها”، حيث يمْكن لوثيقة الأخوَّة الإنسانيّة، أن تكُون نموذجًا من تأكيد الإسلام للدَّولة المدَنيّة، والحرِّيَّة الدِّينيَّة، وحقوق الإنسان.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.