الرئيسية > رأي عام > مقالات > الموسيقَى اليمنيّة كمَلاذ آمِن
أحمد ناجي (اليمن)

الموسيقَى اليمنيّة كمَلاذ آمِن

الخميس ٢٠١٩/٩/٠٥م   |   ١٤٤١/١/٦ هـ

على وقْعِ عزْف العُود، ولحْن الكَمان، وإيقاع طبول الدَّان، وقَف الشَّابُّ اليمنيُّ “محمَّد القحوم” في دار الأوبرا الماليزيَّة، ليُؤَدِّي برفقة مجموعة من العازفين/ات أوَّل أوركسترا موسيقيَّة يمنيَّة منذ اندلاع الحرب، مُعلِنًا للعالَم أنَّ في اليمن شعبًا يعشق الجمال ويتُوق إلى الحياة. كان عرْضًا موسيقيًّا باهرًا، جمَع سيمفونيَّات الدَّان الحَضْرميِّ مع الموسيقى العالميَّة، في مزيج مملوءٍ بالدَّهشة، عنوانه: “الموسيقى الحضْرَميَّة.. أملٌ من عُمق الألم”. وحضْرَمَوت هي بلدة محمَّد، الَّتي لطالما ملأت حياة اليمن والجوار بطرب الحياة.

في ليلة العرض الموسيقيِّ، كنتُ مسافرًا من مدينة سيئون إلى مدينة المكلا حواضر حضرَمَوت. وعلى جنَبات الطَّريق، رأيت النَّاس وقد تسمَّروا أمام الشَّاشات، وهُم يتذوَّقون نغمات العرْض، ويَميلون حين تميل الأوتار، وتتراقص أعينهم من الطَّرب. وبيْن كلِّ مقطوعة وأخرى، ترتفع أصوات الدَّهشة بين الحضور: “هذا نحن، اليمن، بلد الفنِّ لا الحرب”. بدا الأمر وكأنَّه استفتاءٌ جماعيٌّ، مُفادُه أنّه لا بدَّ أن نُبرز ما نَملك، لا ما نخسر.

الحقيقة، أنَّه رغم الصِّراع الَّذي يَشْهده اليمن، فإنَّ عَودة اليمنيِّين/ات لإحياء التُّراث الغنائيِّ اليمنيِّ أمرٌ لافت، وبالأخصِّ في أوساط الشَّباب. هناك العديد من الفنَّانين اليمنيِّين الصَّاعدين/ات، الَّذين كرَّسوا أوقاتهم وحيواتهم لإحياء تراث الفنِّ اليمنيِّ، وتَغنَّوا بالكثير من المقطوعات الفنِّيَّة التُّراثيَّة، الَّتي كادت أن تندثر. ومع الاستخدام الواسع لشبكات التَّواصل الاجتماعيِّ، صارت مَقاطع الفنون الغنائيَّة تُزاحِم مَقاطع المعارك والمواجهات القتاليَّة، وذلك في ثُنائيَّةِ تَضادُدٍ لافتة: صوت الفنِّ والحياة، مُقابل صوت اللَّافنِّ والموت. هذه الظاهرة -باعتقادي- تَحمل في طيَّاتها الكثير من الدَّوافع الضِّمنيَّة. أبرزُها دافع الرَّفض للموت، ومحاولة البحث عن الحياة ولو في نغْمَة عُود.

لقد صارت الموسيقى اليمنيَّة مَلاذًا لعيش الهُويَّة اليمنيَّة المشترَكة، الَّتي تَجمع بعض اليمنيِّين/ات ببعض، وتَزخر بذكريات جميلة مرافقة للأجيال، وعابرة للجغرافيا دون استثناء. هذه الذَّاكرة الجماعيَّة الممتلئة بالمحبَّة، والَّتي عادةً ما تلخِّصها أغنيَّة، أو تَحويها مقطوعة موسيقيَّة، أو يختزلها إيقاع طبل – باتت تُمثِّل مِساحات آمنةً لليمنيِّين/ات، تُوصِل ما لديهم من مخزون هُويَّة مشترَكة، بما لديهم من أحلام وتطلُّعات، محاوِلين/ات نسيان لحظات واقع الحرب، الَّتي تحاول تمزيق هذه المشترَكات.

خلال الأفراح والمناسبات، عادةً ما تَحضر الأغنيَّة كضيف شرف، إذ تَجمع ألوان الطَّيف اليمنيِّ مِن أقصاهُ إلى أقصاه. تتعالى أصوات الجمهور، مُطالِبةً العازفين/ات بمقطوعات فنِّيَّة تَحمل بعضها أسماء المدن أو القرى أو السهول أو الجبال، مِثل: “تَواشيح صنعانيّة”، و”دان حضْرَميّ”، و”مقطوعات تهاميَّة”، و”وصَلَات غنائيَّة لحْجيّة”، و”طرب تَعِزيّ”، و”شيلات مَأرِبيَّة”، و”أغاني عدَنيّة”، وغيرها. عبْر هذه الموسيقى، يعيش اليمنيُّون/ات أوقاتًا باذخة، ويسافرون عبر الكلمات واللَّحن إلى مدن البلاد وقراها، في رحلة آمنة، حيث لا حواجز مسلَّحة تُوقف مَدد المحبَّة. وبات الوطن الذي تعثَّرَت رؤيته في الواقع، وطنًا كاملًا في حضرة الأغنيَّة.

تَبرز الموسيقى اليمنيَّة أيضًا كأداة مقاومةٍ للموت، يَحملها الأفراد على الدَّوام. فيُقاوم اليمنيُّ(ة) سماع خبر كلِّ حرب بسماع أغنيَّة، أو بإطلاق أمنيَّة بغدٍ خالٍ من تلك الأخبار. ومع زيادة الضُّغوط النَّفسيّة وحالات الإحباط الَّتي تُرافق الأوضاع الحاليَّة، باتت الأغنيَّة اليمنيَّة الَّتي ينساب منها الكثير من الحِكم والكثير من الأمل، وسيلة مُواساةٍ للسَّامعين/ات، تُخبرهم أنَّ دوام الحزن مَوت، وأنْ لا بديل آخر للحياة وإن تضاءلَت أسبابها.

مع انتشار خطاب الكراهيَة في بعض المناطق اليمنيَّة، تلعب الأغنيَّة دورًا مهمًّا، في تقديم خطاب فنِّيٍّ مُتسامح مع الجميع. فتَقْبل الكلَّ دون استثناء، وتَنشر بلحنها البهيج خطابًا وطنيًّا جامعًا. بل صارت بعض الأغاني أداة قياسٍ لمدى الامتثال الوطنيِّ لدى الأفراد والكيانات، وصار مَن يحاول أن يُسكت صوت أغنيَّة بقوَّة السِّلاح، مَثار سُخريّة وتَندُّر، وكأنَّه اعتدى على قطعة من الذَّاكرة الجماعيَّة للوطن.

في اليمن، تتنوَّع الأغنيَّة بتنوُّع الأرض والإنسان، لتُشكِّل صورة اليمنيِّ، الَّذي يسمو بالنَّغَم والمحبَّة. كلماتُها القادمة من فصول تاريخ اليمن، وحقول البُنِّ والقطن والكرْم، تقف كمُدوَّنةِ سلوكٍ لليمنيِّ المُحبِّ، تَجمع في طيَّاتها القيمَ النَّبيلة والأصيلة: محبَّة الوطن، والأمل، والتزام الخير، والعطاء للقريب والبعيد. وهي صفات، لا ترى المُحبَّ كاملًا دون اكتمالها.

في الحرب، تَحرس اليمنيَّ أغنيَّةٌ، ويَحرسها هو كوطن وهُويَّة، يلُوذ إليها، ويستقوي بها، ويعيش معها حُلم رؤية اليمن موطنًا آمنًا، ينتصر فيه لحْنُ الأغنيَّة على صوت الرَّصاصة.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.