الرئيسية > رأي عام > مقالات > الهجرة من الدولة إلى العشيرة
أحمد ناجي (اليمن)

الهجرة من الدولة إلى العشيرة

الإثنين ٢٠١٩/٤/٢٩م   |   ١٤٤٠/٨/٢٤ هـ

لعلَّ بروز الهُويّات المناطقيّة والقَبليّة على حساب الهُويّة الوطنيّة، هو أبرزُ ظاهرة، في أيِّ دولة تَشهد صراعاتٍ وحروبًا؛ ذلك أنّ فشل الدولة في تلبية مطالب شعوبها وتحقيق الاستقرار لمُواطنيها، يجعل المجتمعات تتخلَّى عن فكرة العَقْد الاجتماعي المؤسِّس لكيان الدولة، وتُفتِّش في جَعْبتها التاريخيّة عن بدائل لهُويّتها الرئيسيّة، التي تُخْرجها من الانتماء إلى دولة فاشلة، إلى التمسُّك بِهُويّة تضع فيها أمل تحقيق تطلُّعاتها. وعادةً ما تكُون نقطة العودة الهُويّاتيّة لِلَّحظة التي سبقَت تَشكُّل كيان الدولة التي انتهى بها الأمر إلى الفشل، أو العودة لنقطة مضيئة في تاريخ الهويّة؛ هي الأصل لتلك المجتمعات.

في دولة كاليمن -ومنذ بروز مظاهر فشل الدولة- ظهرَت العديد من الحركات، التي تَحمل نزَعات مرتبطة بمثل هذه الهُويّات، وإن كانت بداياتها قد اتَّسمت بمطالب حقوقية لكُتَل مجتمعية مختلفة. إلَّا أنها -وبسبب الضعف الشديد للدولة في إدارة تلك المطالب، وعدم قدرتها على الحفاظ على الهُويّة الوطنيّة الجامعة لمواطنيها، وأخيرًا انتشار أعمال العنف-؛ تحوَّلَت هذه الحركات إلى ما يُشبه الهُويات المستقبِلة أو شبه المستقبلة، التي تنادي بالوقوف على النقيض من الهُويّة الوطنية المُتَّفَق عليها. ومع مرور الوقت، صارت الهُويّة المجتمعية العشائرية والمناطقية، هي أكثر تَداوُلًا بين أفراد المجتمع، خصوصًا مع تَلاشِي الهُويّة المركزيّة الجامعة، التي حلّ محلّها هذا النمط من الانتماءات.

يبدو لافتًا للنظر في الآونة الأخيرة، كيف أن الكثير من أفراد المجتمع اليمني من سكان المدن، قد عَزّزوا من تَواصلهم مع قبائلهم التي تعُود أصولهم إليها، وصار التفاخر بالانتماءات بارزًا؛ إذ إنّ مِثل هذا الانتماء يَخلق قدْرًا من الشعور بالحماية، فيما لو حدث مَوقف يؤثِّر في الأفراد، من مجتمعات أخرى أو من الدولة نفسها. إنها عملية اجتماعية لافتة، تهدف إلى إعادة تفعيل الهُويّة الثانوية لِتَحلَّ محلَّ الهُويّة الأساسية. وما كان مَعروفًا كهُويّة رئيسية، أصبح هُويّة ثانوية غير متداوَلة، أو هُويّة بلا وزن.

إنّ مظاهر التجريف للحياة المدنية، صارت سِمَة الحال. فقد حلَّت سلطة رموز الهُويّات الجديدة، ورجال الجِهَوِيّة العشائرية، محلَّ السلطات الوطنية. وبدلًا من عملية تمدين مناطق القبائل، كخطوة عادةً ما تُعبِّر عن حضور الدولة، صارت قبْلَنة المدن (حضور القبَليّة فيها)، هي الظاهرة البارزة. هذا لا يعني نقد العُرف القبَليّ. فهو ليس محلَّ الحديث هنا؛ وإنما هو توصيف لظاهرة حلول الهُويّة الجُزء، محلَّ الهُويّة الكُلّ.

لقد تعمَّقَت أخيرًا هذه الظاهرة، من خلال سيطرة هذه الهُويّات الجزئية على كيان الدولة بطريقة عشوائية، وتحوَّلَت مؤسَّسات الدولة، التي يفترض فيها أن تقُوم بمهمَّة تجسيد الهُويّة الوطنية، التي تحمي جميع أشكال التنوع في المجتمع، إلى كيان متعدِّد الأقطاب، كلُّ قُطب فيه صار مُجيِّرًا لِهُويّة مناطقية أو قبَليّة. وهذا ما كرَّس حضور مِثل هذه الهُويّات، في أرْوِقة مؤسسات الدولة.

تتجلّى هذه الظاهرة أيضًا، من خلال إهمال المجتمع لكلِّ ما يَجمع الهُويّة الوطنية، كالتراث المشترَك، والذاكرة الجمعية، والمعالم الوطنية، التي تُعزِّز حضور الكُلّ. فقد أُعيدَ صياغة هذا المشترك بطريقة مختلفة، تتلاءم مع سرديّة الهُويات الجديدة. فالمَعْلم التاريخي الذي كان يفخر به جميع المواطنين، يجري تقديمه كأحد أملاك القبيلة، التي يقع في نطاقها هذا المَعْلم فقط. أيضًا تَغيب الأغاني الوطنية، وتَحلُّ محلَّها قصائد الهُويّات. وعلى أسطح المنازل، تُرفرف الأعلام التي تعبِّر عن الكيانات الجديدة، أو تُنكَّس أعلام الدولة الوطنية؛ بُغْيَة السلامة من الدخول في عراك، مع من يقفون ضدها.

مع أنّ حالة الكفران الجماعي بفكرة الدولة، لم تأتِ من فراغ، كان إخفاق الدولة -كما أسْلَفْنا- هو سببه الرئيس، إضافة إلى أسباب أخرى بحسب سياق كلِّ منطقة. إلَّا أنَّ أسئلةً مُهمَّة تَطرح نفسَها هنا: هل هذه البدائل التي أفرزها المجتمع، هي حلٌّ منطقيّ، للهجرة من فكرة الهوية الوطنية؟ وهل فوضى الهُويّات القبَليّة والمناطقية، يُمْكن أن تُفضي إلى حالة من الاستقرار في حياة المجتمع؟ وهل القيادات والرموز التي ظهرَت كمُمثِّلة لهذه الهُويّات، لديها مشروعية التمثيل للمجتمعات التي تدَّعي تمثيلها؟ وأيُّهما أكبر ثَمنًا: ترميم مُواطَنيّة الدولة وتنقيتها ممّا عَلِق بها من اختلالات، وإعادة بنائها بما يحفظ حقوق جميع الفئات المتنوعة، أَمِ المُضيُّ قُدمًا في طريق انقسامات الهُويّة وانشطاراتها، التي ليس لها نهاية؟!

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.