الرئيسية > رأي عام > مقالات > الهجرة واللُّجوء… صِراعُ جِيلَين
روجيه أصفر (سوريا)

الهجرة واللُّجوء… صِراعُ جِيلَين

الخميس ٢٠١٨/١٠/١١م   |   ١٤٤٠/١/٣١ هـ

منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة في أميركا، ارتفعت عبر وسائل التواصل الاجتماعي أصوات مهاجرين ولاجئين قدامى، منهم أقرباء ومعارف في الولايات المتحدة وفي السويد، جاهروا متحمِّسين بدعمهم وتصويتهم لتيّارات يمينية شعبَويّة، تُعادي المهاجرين واللاجئين.

قبل أقلِّ من عامَين، نشرت شبكة “سي أن أن” قصة عائلة مسيحية من هؤلاء، عائلة أميركية من أصول سورية، صوَّتت لدونالد ترامب، الذي ساهمت قرارته بحقِّ المهاجرين واللاجئين لاحقًا، في تشتيت شمل 6 من أفراد هذه العائلة القادمين من سوريا، حيث احتُجزوا في المطار، ثم أُعِيدُوا من حيث أتَوا.

بقيت هذه الحادثة نائمة في ذاكرتي، إلى أنِ التقَيتُ بأقرباء لي أتَوا في زيارة من إحدى الدول الأوروبية، التي لجأوا إليها قبل أقلِّ من 4 سنوات. خلال الزيارة قال بعضهم عن أنّ “هؤلاء”، أي سكَّان بلادنا العربية: “لا أمل في تغييرهم، وستبقى بلادهم على هذا الحال من التخلف والفقر والاضطراب”. وعليه، كُلَّما تَناولْنا حديثًا بثورة أو إصلاح أو تغيير في بلادنا، جُوبِهَ من هؤلاء الأقرباء بمقولة سلبية انهزامية: “لن تستطيع أن تغيِّر العالم”.

قد يُفسِّر موقفُ هؤلاء الأقرباء، والرأيُ الذي عبَّروا عنه، لُغزَ تصويت المهاجرين القدامى لمصلحة اليمين المُعادي للمهاجرين واللاجئين. ولكن، هذه محطة تستحقُّ الوقوفَ عندها للتفكير أكثر، ومحاولة فهم هذه الأمثلة والحالات وتفكيكها.

قد تكُون شعوب بلادنا غريبة عن مفهوم المواطَنة، الذي لم تَعرفه أو تَخبُر عيشَه، فاستعاضت عنه بمفهوم الجماعات الطائفية والإثنية؛ وهذا ما رسّخ بمرور الوقت لدى كثير من أبناء كلِّ جماعة، مفاهيمَ مُنمَّطة واعتقادات مغلوطة بحقِّ أبناء الجماعات الأخرى. فصار الآخر المختلف هو مشكلة الوطن، لا أنظمة الحكم الشمولية، والديكتاتوريّات، وغياب المواطَنة والمساواة والحريات. ومن هذه الاعتقادات المغلوطة: الآخر غير متعلِّم، الآخر ذو دين عنيف، الآخر يُنجب كثيرًا، الآخر لا يهتمّ كما يجب بتربية أولاده، الآخر متفلِّت أخلاقيًّا ويعاقر الخمر… إلخ. كلُّها صُوَر نمطيّة، طوَّرها بعضهم في كل جماعة عن الأخرى: مسلمون تجاه مسيحيِّين وبالعكس، أبناء المدن تجاه أبناء الريف وبالعكس، أغنياء تجاه فقراء… إلخ.

وعليه، بات من المسلَّم به لدى بعضهم، أن تكُون بلادنا على ما هي عليه. فهي لا تستحقُّ أكثر برأيهم. أبناءُ الجماعات الأخرى، ليسوا مؤهَّلِين لِما هو أفضل من ذلك. وإن حصل أن طالبت جماعة أو فئة بحقوقها على أساس الحرية والمساواة، للخروج من هذا الواقع، وأدَّت هذه المطالبة –مِن جَرّاء قمعها- إلى تَفاقُم الأوضاع؛ يَقع اللوم على مَن طالب بحقِّه، ويختار هؤلاء “البعض” المذكورون سابقًا، هجرة هذه البلاد إلى بلاد أخرى، حيث يتوَافَر لهم أن يَحيَوا الحياة التي يستحقُّونها.

هذا الانتقال إلى بلدان الهجرة، وغالبًا ما تكُون بلدانًا غربية ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان، وتكرِّس حكم القانون، لا يعني أن الأفكار المنمَّطة قد بقيت في مساقط رؤوس المهاجرين. كَلّا! هي تنتقل مع المُهاجرين إلى المَهاجر، فيبدأ التأفُّف هناك من المهاجرين الأحدَثِينَ عهدًا من أبناء الجماعة الأخرى. فهم “شوَّهوا صورتنا”، و”لا تليق بهم الحياة في هذه البلدان المتحضِّرة”. من هنا، يُصوِّت المهاجرون ما إنْ يحصلون على جنسيتهم الجديدة، لمصلحة تيّارات يمينيّة تُعادي الغرباء واللاجئين، رغبةً منهم في إبقاء بلدهم الجديد طاهرًا من “رجس” أبناء الجماعة الأخرى. “فنحن ترَكْنا بلداننا الأصلية هربًا منهم، لا لكي نسمح لهم بأن يَلحقوا بنا إلى هنا”.

ينسى هؤلاء المهاجرون مُحبُّو اليمين، مثال العائلة السورية التي صوَّتَت لترامب، وربما يَغيب عنهم، أنهم ولو حصلوا على الجنسية الجديدة وحماية القانون، يَكادُون يكُونون وأبناءَ الجماعة الأخرى، والمهاجرين واللاجئين الجُدد، جماعةً واحدة في نظر اليميني.

السعي للهجرة إلى بلدان تحترم أبناءها، وتساوي بينهم على أساس المواطَنة الحاضنة للتنوّع، أمرٌ مفهوم وحقٌّ مشروع. لكن في المقابل، إصرارُ بعضهم على أن حال بلداننا البعيدة -حتى الآن- عن المواطَنة الحقَّة، هو أفضل ما يمكن لها، أمرٌ غير مفهوم. فهذا الاعتقاد عنصريُّ المضمون، ينتهك في عمقه الكرامة الإنسانية؛ إذ لا يعتبر البشر جميعهم متساوين على صعيد هذه الكرامة.

إن كنتَ تؤمن بوطن يَضمّ جميع أبنائه من كلِّ الجماعات، على اختلاف طوائفهم وإثنيّاتهم وثقافاتهم، فالمواطَنة الحاضنة للتنوع هي سبيلك إلى هذا الحُلم. أمّا إن كنتَ تعتقد أن الآخر عَصِيٌّ عن التطور والتقدم، وأنك أفضل منه بالضرورة وبالولادة، بسبب هذا الانتماء أو ذاك، فَثِقْ بأنك لن ترتاح، لا هنا حيث المَخاض من أجل دولة الحريات والمواطَنة، ولا هناك في الدول التي سبقَتْنا على دروب المواطَنة.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.