الرئيسية > رأي عام > مقالات > الهروب نحو بيت النمل
أحمد ناجي (اليمن)

الهروب نحو بيت النمل

الأربعاء ٢٠٢٠/٧/٠٨م   |   ١٤٤١/١١/١٨ هـ

التكيّف مع الظروف الصعبة التي تَجلبها الأزمات، لم يعُدْ حيلة اضطرارية مؤقَّتة. فقد دفعَت الصراعاتُ الممتدة في منطقتنا الكثيرين/ات، إلى التأقلم المستدام مع الانعكاسات السلبية لهذه الصراعات، إذ إن سلوك الانكفاء هذا، يمثِّل طريق السلامة أمام المخاطر التي تَجلبها الأزمات. لذا، بِتْنا نسمع الكثير من الأصوات التي تُثْني على هذا السلوك، وتقدِّمه خِيارًا آمنًا للنجاة من سَطوة الواقع الأليم. ومع ضِيق أُفُق التغيير، وحالة الانقسامات، والاستقطاب السياسي الحادِّ، في مجتمعات بلدان الحروب والأزمات، اكتسبَت هذه الطريقة سببيَّتها المَنطقية -في نظر بعضهم-، باعتبارها البديل الأفضل من بين الخيارات المُتاحة.

اِتِّباع هذه الحيلة التي يسميها علماء الاجتماع بالتكيف القَسْري، والتي تُجبر المجتمعات على الانتظام وَفْقًا لِنَسق غيْر سويٍّ، أو لأشراطِ أطرافٍ متسلِّطة – تَفرِض على الأفراد قبولَ ذلك الواقع، والتعامل معه بوَصْفِه أمرًا ثابتًا لا يجب تغييره، أو حتى التفكير في تعديله. فإنْ بدَت مشكلات أو عوائق في اتِّباع هذا المسلك، فهي ليست سوى خلَلٍ في عدم الامتثال الكامل لشروط هذه النُّظم المتسلطة. ووَفْقًا لهذا السلوك، يجب على الناس عدمُ رفع رؤوسهم، وإبقاؤها منكَّسة، في مَشهد يشبه ظواهر العوالم الموازية. أيضًا في المَحكيَّات الشعبية، يُنصَح الإنسان في زمن الأزمات أن يتصرّف كنَمْلة، لكي يستطيع أكل السُّكَّر.

بحسب تقارير البارومتر العربي، انخفضَت في السنوات الأخيرة نسبة المشارَكة السياسية، في أوساط المجتمعات العربية بشكل كبير، خصوصًا في أوساط الشباب. في المقابل، زادت معدَّلات فِقدان الثقة بالحكومات أو بالسلطات القائمة. هذا الأمر أَبْرَزَ سِمةً واضحة، لحالة الانكفاء السياسي واليأس الجماعي، وهو الأمر الذي خلَق حالة الهروب المجتمعي، إمَّا بالهجرة إلى دول أكثر استقرارًا، أو بالتخلي كلِّيًّا عن الحقِّ في الحياة بواسطة الانتحار.

في تفحُّص ظاهرة التكيف القَسْري، لا يمكن قراءة دوافعها من زاوِيَتَي الصواب والخطأ فقط، بل بالنظر إليها على اعتبار أنها قناعات أيضًا، شكَّلها المجتمع عبْر الخبرات المتراكمة، قبْل أن تصبح مُسلَّمات يمارسها الأفراد. فالناس مجبولون عادة على التفاعل الاجتماعي، لكن في اللحظة التي تتأثَّر فيها المصلحة الفردية، يقِلُّ منسوب هذا التفاعل حتى يصل إلى المستوى صِفر. ولذلك، في حالات الانخراط المَدني أو الحقوقي، تزداد كثافة التفاعل كلَّما تَوافَرت بيئةٌ آمِنة لحرية العمل في الشأن العامّ، ولضمانِ التعبير عن الآراء، وتتراجع حين يظهر العكس. ولعلَّ المَوجة الأولى لِمحاوَلات التغيير التي اندلعت قبل أعوام عدَّة، أو المَوجة الثانية قبل أشهر سابقة، أعطت صورة سلبية لِمَآلات الأوضاع في الدول، التي كانت شاهدة على تلك المَوجات التغييرية، خصوصًا بعد أن انتهى الحال في بعضها إلى حالة من العنف المستمر.

تُمثِّل كُلْفةُ التفاعل، السببَ الآخَر للقبول والتكيف مع أي أزمة. أمَّا القمع الذي تُبديه الأطراف المتربعة على عرش أي صراع أو أزمة، فيُمثِّل عقَبةً لا يمكن مواجهتها. هذا القمع يَضطَرُّ المجتمعَ إلى البقاء في المنطقة الرمادية، غيْر قادر على قول شيء قد يُغْضب مَن يُدِيرُون دَفَّة الأزمات. أمَّا الأفراد المُعاقَبون بسبب قرارهم كسْرَ هذا الحاجز، فيُمثِّلون تفاصيل درسٍ قاسٍ يَحفظه المجتمع، ويفضِّل عدم تَكراره.

ثمَّة صِيغة أخرى متداوَلة. فمثلًا: في نظر الكثيرين/ات، التكيف مع الأزمات هو مَسارٌ أقلُّ سوءًا، من الانزلاق نحو المواجَهات المحكوم عليها سلفًا بالفشل، إمَّا لِتَضاؤل خيارات التغيير، أو لِبُروز مسارات عنيفة لا تحظى بقناعات الكثير من شرائح المجتمع. وهنا، تُرفع فكرة تقبُّل الواقع أو التكيف معه، بوصْفِها اتِّباعَ قاعدةِ أهْوَن الشَّرَّين.

قد يبدو التكيف القسري لدى الكثيرين/ات، مَسارًا واقعيًّا وبراجماتيًّا يَجدر اتِّباعه، لتجنُّب أيِّ مخاطر قد تَحدث، لكن القضية التي تَبرز، هي مدى مساهمة هذا الهروب المجتمعي في استمرارية الصراعات والأزمات. فإخلاء الشأن العامّ، هو في الواقع مَلْؤُه بالخيارات السيئة، التي تبقى فيه ما بقيَت هذه العزلة. والهروب الذي يبدو آمنًا في هيئته، ليس سوى عُمرٍ مديد لمخاوفنا المستمرة.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.