الرئيسية > رأي عام > مقالات > اليوم العالميّ للمُعلّمين/ات
أمل الحارثي (الأردن)

اليوم العالميّ للمُعلّمين/ات

الخميس ٢٠١٩/١٠/٠٣م   |   ١٤٤١/٢/٤ هـ

في الخامس من أكتوبر مِن كلّ عام يحتفل العالَم باليوم العالميّ للمعلّمين/ات، يوم تشتعل فيه الهاشتاغات والأشعار والمقالات الَّتي تحتفل بالمعلّم(ة) ودوره/ها في تنشئة الأجيال وتعليمها. في عام 2015 تمّ إعلان فنلندا كأقوى دول العالم في مجال التَّعليم (تقرير التنافسيّة العالميّة)، درجة لم تصلْها فنلندا إلّا بعد اتّباع سياسات مهمّة جعلت فيها التَّعليم في صُلب اهتماماتها بل اعتبرته جزءًا من الهُويّة، وساوت بين كلّ طلّابها وطالباتها بغضّ النَّظر عن خلفيّاتهم الاجتماعيّة، كما اعتمدت مبدأ العمق في المضمون، فاهتمّت في النَّوع لا بالكمّ، أمّا بالنّسبة للمعلّم(ة) ففنلندا تختار معلِّميها ومعلِّماتها بدقّة وتعتمد على الكفاءة في الاختيار. فَهُم مقدّرون اجتماعيًّا ومادّيًّا، وساعات عملهم مُريحة؛ ما يضمن أفضل النَّتائج التَّعليميّة.

لا شكّ أنّ مفتاح تَطوُّر الشُّعوب هو التَّعليم، ولو نظرنا إلى الدُّول الَّتي تقدّمت خلال السَّنوات السَّابقة لوجدنا حتمًا أنّها عملت على رفع شأن المعلّم والتَّعليم، والدُّول الَّتي تراجعت ومنها دول عربيّة، شهد فيها التَّعليم تراجُعًا كبيرًا فلم تعُد جامعاتها تحتلّ مواقع متقدّمة في مؤشّرات أفضل الجامعات كما كانت في السَّابق، عِلمًا أنّها قبل عقود كانت مَقصدًا للرَّاغبين/ات في التَّعلُّم مِن شتّى البقاع. تراجع يمكن ملاحظته عند الإطّلاع على واقع التعليم الحكومي في بعض الدول العربيّة.

أدّت الحروب في دول عربيّة كسوريا والعراق إلى انقطاع الأطفال عن المَدارس فترة طويلة، ومنهم مَن لم يستطع العودة لمقاعد الدِّراسة أصلًا، أمّا في بلدان عربيّة أخرى أكثر استقرارًا فقد قلَّ شأن التَّعليم الحكوميّ في الكثير مِن مدارسها؛ نتيجة لزيادة أعداد الطُّلّاب، وعدم وجود خطّة ناجحة لاستيعاب هذه الزِّيادة، وفَشَلِ السِّياسات النَّهضويّة، واستشراء الفساد. وازدهر التَّعليم الخاصّ؛ ما كان له أكبر الأثر في تعميق الفجوة بين طبقتَيِ المجتمع، وخصوصًا أنّ خرّيجي هذه المدارس أصبحوا هم الأكثرون قدرةً على تَولّي الوظائف العليا في القطاع الخاصّ الَّذي يَفرض معطيات ومهارات معيّنة للتَّوظيف، خصوصًا فيما يتعلّق بإجادة اللُّغات الأجنبيّة ومهارات التّكنولوجيا وتحديدًا في السَّنوات الأخيرة الَّتي شهدت ثورة تكنولوجيّة دفنت تحتها الطُّرق التَّعليميّة التَّقليديّة، وأصبح مِن الضَّروريّ لتَعلُّمها جلبُ كفاءات تعليميَّة تتطلّب رواتب عالية، وهكذا يستمرُّ التَّباعد الطَّبقيّ بين مكوّنات المجتمع ويتعمّق.

هذا عن حال التَّعليم أمّا المعلّم فهو ليس بأحسن حال، فالمَهامّ المُوكلة إليه عادةً ما تكُون أكثر بكثير مِن المردود المادّيّ الضَّعيف، وبدلًا مِن التَّفكير في تطوير أساليب التَّدريس للنُّهوض بالمنظومة التَّعليميّة، فهو يفكّر في أبواب رزق أُخرى تُمكّنه مِن أنْ يحيا حياة كريمة، أبواب غالبًا ما تنحصر في الدُّروس الخصوصيّة للطَّلبة القادرين، ليتمّ مرّة أُخرى فرز الطُّلّاب البسطاء بين مقتدرٍ وغير مقتدر، وحصر الاهتمام بأولئك القادرين على دفع حصص إضافيّة، ما يزيد طين الظُّلم بِلَّةً ويُعمّق انعدام العدالة الاجتماعيّة بكلّ نتائجه الكارثيّة على المجتمع.

يقف المعلّم وحيدًا أمام مشكلات عدَّة منها تكدُّس الطُّلّاب في الحصّة الواحدة الأمر الذي يزيد صعوبة السَّيطرة، وضعف الرَّواتب، وصعوبة الحياة ومتطلّباتها، ويضع عليه الأهل مسؤوليّة تعليم أبنائهم وأحيانًا تربيتهم، ويعلّق عليه المجتمع إخفاقاتِ أبنائه بينما المتسبّبون كثر.

في اليوم العالميِّ للمعلّمين نُبرق التَّحيَّة لكلّ معلّمٍ تَحمَّلَ كلّ ظروف المنظومة التَّعليميّة الرَّديئة، وقرَّر أنْ يُطوِّر بنفسه ما يستطيع تطويره وبإمكاناته المتواضعة، فاهتمَّ بإضاءة الشُّموع لا بلعن الظَّلام.

تحيةً للمعلّم الَّذي وثبَ على مصالحه الشَّخصيّة فاختار العطاء بلا حدود وبأقلّ مقابل.

تحيّةً للمعلّم الَّذي يهتمّ بكلّ بِذرة موهبة يراها بين طلّابه، فيسقيها بماء رعايته واهتمامه، فتُزهر وتُثمر.

تحيّةً للمعلّم الَّذي يجعل مِن الصَّبر منهجًا، فلا يُحمِّل تلامذته ما لا يقدرون حمله، ولا يكلِّفهم دفْعَ ثمنَ ظروف العمل السَّيّئة التي لا ذنب لهم فيها.

تحيَّةً للمعلّم الَّذي يُساوي بين طلّابه فلا يُفرّق بين طالبٍ وآخرَ حسب الطَّائفة أو القبيلة أو الوضع الاجتماعيّ أو حتّى مستوى الذَّكاء.

تحيّةً للمعلّم الَّذي يستمع ويُجيب لتساؤلات تلامذته مهْما كانت بسيطة، فيُساهم في بناء شخصيّة متوازنة لا تخافُ مِن الحوار وطرح الأفكار.

تحيّةً للمعلّم الَّذي يهتمُّ بطلّابه كما يهتمُّ بأبنائه، فيمسح دمعة طالبٍ حزين، ويُشارك آخَرَ في حلِّ همومه الَّتي يحملها مِن المنزل.

تحيّةً للمعلّم الَّذي لا يعتمد مبدأ التَّلقين، بل يُطلق العِنان لِخَيال الطَّالب ليبدع خارج صندوق المناهج المدرسيّة.

تحيّةً للمعلّم الَّذي لا يورّث الطُّلَّاب أيدولوجيّاته وأفكاره، بل يُعلِّمهم أنّه مِن الطَّبيعيّ أنْ نُفكِّر ونشكَّ ونبحث عن أجوبة في الكتب والتَّأمّل وتجارِب الحياة المختلفة.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.