الرئيسية > رأي عام > مقالات > الْمَوت كـظاهرة دالّة على التَّحوُّلات المجتمعيّة
مصطفى زهران (مصر)

الْمَوت كـظاهرة دالّة على التَّحوُّلات المجتمعيّة

الثلاثاء ٢٠١٩/٨/٠٦م   |   ١٤٤٠/١٢/٥ هـ

يحظى “الموت” بقدر كبير من القدسيّة في المِخيال الشعبيِّ، في الفضاء الدينيِّ “العربيِّ والإسلاميّ” والمَشرقيّ المتوارَث. وتختلف ماهيَّته وتفسيراته ومضامينه، انطلاقًا من رُؤًى عَقَدِيَّة وإيمانيّة، عاشتها الأديان الإبراهيميّة الثلاثة: اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام.
بيْد أنَّه مع اختلاف هذه الرِّسالات وتنوُّعها، فهي تتقاطع وتتشابك مع تلك الرُّؤَى من حيث التَّعاطي السُّوسيولوجيُّ، وتختلف معها في الآليّات التَّعبيريّة وأنماط التَّفاعل.
المَوتُ وما يمثِّله من حالة فناء للجسد، مع انتقال للرُّوح أو بقائها أو تَلاشيها، يأخذ أشكالًا عدّة، ويتشكَّل بطُرق شتَّى، وَفْق القيم المتوارَثة، والمعتقَد الذي يتعاطى معه المِخيال الشعبيُّ لكلِّ فرد أو جماعة، ينتمون إلى واحدة من هذه الرِّسالات الإبراهيميّة، كلٌّ على حِدَة. وقد لا تنحصر في بعض من هذه الأديان، أو تتجاوز ما دون سواها، في حين يبقي الموت ذا قدسيّة واحترام كبيرَين.
كشفَت وفاة الرئيس التُّونسي الباجي قائد السّبسي أخيرًا، والجدل الَّذي دار حول مصيره الأخرويِّ بشكلٍ أشبَهَ بمحكمة دنيويّة عاجلة، وهو الذي عُرف أنَّ لديه موقفًا نقديًّا، لأطروحات تتعلَّق بـالقرآن والسُّنَّة النَّبويَّة المطهَّرة والإرث… إلخ؛ عن أنَّ ثمَّة تَحوُّلًا بات يشقُّ طريقه إزاء النَّظرة إلى “الموت”، خاصَّة حينما يطُول أسماءً وشخصيّات سياسيَّة ودينيَّة تلتفُّ بواقعنا المَعِيش، وتتَّكئ في مجملها على رُؤًى أيديولوجيّة متباينة، حتى أضحت مثار نقاش في الفضاء العربيّ؛ نتيجة ما أحدثَته من اهتزاز الرُّؤَى القِيميّة والدِّينيَّة للموت وقدسيَّته، المتعارَف في أذهان العامّة والخاصَّة على حدٍّ سَواء، بعد أن انتقل بها إلى حالة مُغايرة، غلَّف بها الدِّينيَّ بالسِّياسيِّ.
ظهر حجم التعاطي المتباين والمنقسم -في جزء كبير منه- بين معسكرَين، وجد كلٌّ طرف منهما حُجِّيَّتَهُ وقناعته الراسخة، في أن يمضي في اقتلاع تلك الصِّفة الطُّهرانيّة، التي التصقَت بشكل فطريٍّ بالموت؛ إمَّا تبريرًا أو انحيازًا، وكأنّه حالة سِجال لِلحدِّ من الشَّعبويَّة بين مجموعات من الإسلاميِّين وخصومهم من القوى المناوئة لهم. فيضع كلُّ طرف منهما ميزانه الخاصَّ ليمرِّر رؤيته النَّافذة إلى العالم الأخرويِّ، معتمدًا على الخلفيَّة العَقَدِيَّة والسِّياسيَّة للرَّئيس الرَّاحل، من خلال إعطائه: إمَّا صكّ الغفران لِيُعبِّد به طريقة نحو الجنَّة، أو حرمانِه إيّاه لِينال العقاب الإلهيَّ.
برز الخلاف بشدّة، حينما تعالت أصوات كِلا الفريقَين وأنصارهما. فنادى أحدهما بعدم التَّرحُّم عليه، والآخر شدَّد على جواز التَّرحُّم عليه. وشيئًا فشيئًا تعاظمَت الجدليَّة بقوَّة حينما انتقلَت إلى الفضاء الأزرق، محافِظةً في الوقت ذاته على ثنائيَّة انقسامه، تبعًا لرُؤَى النُّخب السِّياسيّة المتباينة، في حين أصبح الشارع العربيُّ حائرًا، بين أيِّ الرُّؤيتَين أصْدَق وأيّهما أكثرُ توفيقًا. وهو مَشهد مُماثل، يشابه إلى حدٍّ كبير وفاة الرَّئيس المصريِّ الأسبق “محمّد مرسي” أخيرًا في محبسه، والانقسام الَّذي بدا حِيالَه بين معسكرَين. فحدَا بالأول إلى اعتباره شهيدًا، وبالآخر إلى الحُكم بأنّه لقي مصيره، مِن جرَّاء ما اعتبره خيانة للوطن.
إنَّ المَلمح الأهمَّ في هذه القضايا الهامَّة والشَّائكة، يتعلَّق بالأساس بطبيعة التَّحوُّلات الَّتي طالت رؤًى ثابتة ويقينيَّة، في المِخيال العامِّ العربيّ بتنويعاته المختلفة. فيتجلَّى ذلك في انتقال قدسيَّة الموت إلى مساحة مغايرة، أنتجَتها طبيعة التَّقلُّبات السِّياسيَّة والاقتصاديَّة الَّتي تعيشها المنطقة، والَّتي هزَّت بدورها منظومة القيم المتأصِّلة في البُنَى المجتمعيَّة. فلم تعُد هناك تابوهات -كما في السابق- لا يمكن تَجاوُزها، حتى إنّ الموت فقَدَ قدسيَّته.
إنَّ الباحث عن ماهيَّة هذا التَّحوُّل، لن يأْلُوَ جهدًا في كشف أسبابه، أولًا في مظاهر الواقع الرَّاهن الذي يعيش هزَّة قويّة طالت بُنْيته القيميَّة؛ نتيجة عوامل عدّة، أفرزَتها التَّحوُّلات السِّياسيَّة الّتي صاحبَت ثورات الرَّبيع العربيّ وإخفاقاته المتواصلة -حتى اللَّحظة-. وثانيًا وفي الوقت نفسه مع صعود الحركات الإسلاميَّة وتيّاراتها نحو السُّلطة، وإخفاقاتها الكبرى في ذلك. وثالثًا في افتقاد الإيمان من قِبَل تنويعات شعبيَّة كبيرة بذلك كلِّه، تجاه بعض من الرُّؤى الدِّينيَّة وخطابها الماضويّ، وعدم فهمها لواقع متجدِّد يتطلَّب رؤًى ديناميكيَّة، ويكُون مغايرًا عن سابقه.
ساهمت تلك العوامل كافَّة في افتقاد المصداقيَّة، وتراجُع الأمل، وضعف الثِّقة الَّتي كان يُوليها الشَّارع في فضائه العامّ، وفواعله السِّياسيّة والدِّينيَّة بتنويعاتها العَقَدِيَّة المختلفة؛ حتى بات لا يعترف بها جملة وتفصيلًا مِن جرَّاء اتِّساع الفجوة والهُوَّة بينهما. وما اتِّساعُ موجات الإلحاد في بيئات اجتماعيَّة محافِظة في الوقت الرَّاهن، إلَّا شاهدٌ على حجم هذه التَّحوُّلات. فلم تعُد مجتمعاتنا لديها المناعة الحقيقيَّة، للحدِّ من انتشاره وتوغُّله، مع أنّها لديها البيئة المحافِظة القائمة.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.